رئيس التحرير: طلعت علوي

استقالة شومان من البنك العربي الأسباب والتوقعات المحتملة

الجمعة | 03/06/2005 - 02:37 مساءاً

استقالة شومان من البنك العربي 
الأسباب والتوقعات المحتملة


محمد خضر قرش – القدس
شكلت الاستقالة غير العادية وغير المألوفة أو المسبوقة في العرف المصرفي ،لرئيس مجلس إدارة البنك العربي عبد الحميد شومان يوم الخميس الماضي 12-8 ،الحدث الأبرز والأهم على الصعيدين  المصرفي والمالي في الأردن وفلسطين بشكل خاص والعالم العربي  بشكل عام .فبعد 82 عاما بالتمام والكمال من الإدارة المهنية ذات الكفاءة العالية للجد والأب والعم ،أقدم الحفيد عبود – كما يحلو للكثير تسميته تمييزا له عن جده عبد الحميد وأبيه عبد المجيد على تقديم استقالته إلى موظفي البنك مباشرة على بريدهم الإليكتروني قبل انتصاف نهار يوم الخميس المشار إليه،بدون علم مجلس الإدارة أو البنك المركزي الأردني كما يقتضي العرف ذلك. وهذا يعني أن تصرفا أو سلوكا ما بالغ الخطورة قد حدث في البنك من بعض أعضاء مجلس الإدارة أو من مالكي الحصص المؤثرة، دفعت به للإقدام على ذلك لتبرئة عائلته ونفسه مما يحاك أو يرسم أو يخطط للبنك.وبغض النظر عن السبب المباشر والقشة التي قسمت ظهر البعير ودفعت بالحفيد عبود للاستقالة بهذه الطريقة الانفعالية وغير المعتادة في أل شومان ،فإن البنك العربي الذي نعرفه جميعا وخبرناه عن ظهر قلب عبر العقود المشار إليها ،لن يعود كما الفناه وجربناه . فالبنك العربي قبل 12-8- 2012 سيختلف عنه بعده ليس من جهة الإدارة التنفيذية فحسب وإنما من حيث الولاء والاهتمام والانتماء والارتباط. فبعد سنوات قليلة جدا من الآن ،لا أخالها تزيد عن ثلاث سيشعر ويلمس ويشاهد المواطن الأردني والفلسطيني على وجه الخصوص التحول الكبير الذي سيطرأ على السياسة الاستثمارية والائتمانية للبنك وعلى شبكة العلاقات الخارجية له أيضا إذا لم تحصل تسوية ما ويعود الحفيد شومان إلى قمة هرم السلطة التنفيذية من جديد بعد إعادة ترتيب وتوزيع حصص الملكية. 
"الأسباب المباشرة لاستقالة الحفيد عبود"
دعنا في البداية أن نقر بأن ما جرى في البنك العربي ليس وليد لحظته.فلعلنا نتذكر جيدا قيام أبناء عمه المرحوم خالد شومان من بيع حصتهم المقدرة بنحو 11% والتي ذهبت بمعظمها لآل الحريري و قد سبقها خروج خالد نفسه من مجلس الإدارة بسبب مرضه كما قيل ولكنه في الحقيقة كان لخلاف مع أخيه المرحوم عبد المجيد وبذلك انخفضت حصة أل شومان من نحو 16% إلى 6%. وبعد ذلك بفترة قصيرة وقبل مقتل رفيق الحريري نشرت تصريحات صحفية عديدة حول رغبة ونية الأخير تعيين فؤاد السنيورة مديرا عاما للبنك ونقل الإدارة العامة إلى بيروت وقد كان لسرعة تدخل الحكومة الأردنية حينذاك من خلال مؤسسة الضمان الاجتماعي لشراء حصص مؤثرة حالت من لجم وتراجع تلك التصريحات بغض النظر فيما إذا كانت صحيحة أم لا. ولكن بقيت رغبة آل الحريري في السيطرة على البنك قائمة وما حال بين وقفها سوى مقتل رفيق الحريري نفسه. وقد تجدد الإصرار في العامين الماضيين من خلال الضغط على الحفيد عبود لتعيين مدير عام تنفيذي جديد بحجة الفصل بين رئاسة مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية وقد تم تعيين رجلا يدين بالولاء لآل الحريري ويحمل الجنسية اللبنانية وأن كان من اصول فلسطينية وبدأت تظهر تشابك وتعارض الصلاحيات والاختصاصات ومن ثم الاختلافات العلنية بينهما وخاصة فيما يتعلق بتقديم الائتمان لبعض الجهات ذات العلاقة ومن ضمنها مجموعة الحريري في الأردن وخارجه التي تواجه أزمة سيولة حادة مما أدى إلى توقف مشاريعها المتعثرة في العبدلي وسرايا العقبة واضطرارها للبحث عن مستثمرين للشراء أو للمشاركة ،حيث رفض الحفيد شومان مرارا تقديم أية تسهيلات للمجموعة لعدم جدواها مع إصرار المدير العام التنفيذي الجديد على تقديمها بالرغم من كل التوصيات والاقتراحات الرافضة لذلك والصادرة عن الدوائر واللجان المعنية في البنك. ومع اشتداد الخلاف بينهما دعى الحفيد شومان لعقد اجتماع طارئ لمجلس الإدارة يوم الخميس المشار إليه وقد تغيب الجميع عدا ابنته عن الحضور بما فيهم أحد الأعضاء الذي سبق للحفيد شومان وان اوصى بتعيينه في المجلس . ففهم الرسالة وقام بتحرير استقالته وتعميمها إلى موظفي البنك مباشرة فتفاجئ الجميع إلا هو. وقد تضمنت الاستقالة الإليكترونية غير المعتادة وربما المنفعلة جدا والمتسرعة، ما اختلج وتراكم في صدر الحفيد من غضب بسبب عدم الاستجابة لدعوته وشرح جزءا يسيرا من أسباب اقدامه على الاستقالة بهذه الطريقة غير المألوفة وغير المسبوقة إذ قال فيها:
"انطلاقا من حرصي على مصلحة البنك قمت بنقل ملخص عن ملاحظات عدد من مدراء ومسئولي البنك الذين قاموا، بكل جرأة وموضوعيه ببيان عدد من الأمور والقضايا الهامة التي قد ينجم عنها نتائج لا تصب في مصلحة البنك ولا تحقق أي تقدم أو تطور في سياسات وإجراءات العمل ولا في نتائج البنك المالية. إلا أنني تفاجأت وأصبت بخيبة أمل كبيرة حين تبين لي أن الأشخاص المناط بهم حماية مصالح البنك ومسؤولية المحافظة عليه من خلال صلاحيات وسلطات منحت لهم لضمان ازدهاره كانوا هم نفس الأشخاص الذين لم يعيروا هذا الأمر أي اهتمام حيث لم يقم المدير العام التنفيذي بمناقشة هذه الملاحظات أو بيان وجهة نظره تجاهها الأمر الذي دعاني إلى دعوة المجلس للاجتماع لتدارس هذه الملاحظات وموقف المدير العام التنفيذي منها. إلا أنني جوبهت بردة الفعل ذاتها من نائب الرئيس ومجلس الإدارة.وعلى الرغم من أنكم قمتم بأخذ زمام المبادرة وتحملتم مسئولياتكم بتبيان تلك الملاحظات الهامة إلا أنني أجد نفسي مضطرا لإخباركم أن مديركم العام التنفيذي ومجلس الإدارة لم يقوموا بتحمل أعباء مسئولياتهم القانونية بما يحمي ويحقق مصلحة البنك... لقد خيبوا آمال البنك وخيبوا أمالي وخيبوا آمالكم. في ضوء ما تقدم فإني لا أستطيع الاستمرار بالبقاء كجزء من مجلس الإدارة الذي يدير ظهره لموظفي البنك فيما يتعلق بمواضيع قد يكون من شأنها الإضرار بالبنك ولا أستطيع الإبقاء على أي رابط مع هذه المجموعة التي لا تقيم وزنا لمصلحة البنك والمصلحة العامة لذلك وبعد رحلة طويلة من النجاح معا آسف أن أخبركم أنني قمت اليوم بتقديم استقالتي".
تلك إذن هي الأسباب التي دعت الحفيد شومان أو عبود لتقديم استقالته غير المسبوقة وغادر بعدها مكتبه في نفس الليلة إلى سويسرا الذي شغله من قبله جده وأبيه وعمه لنحو 82 عاما خلت وربما للمرة الأخيرة ليقطع بذلك صلة وعلاقة وارتباط آل شومان بالبنك العربي الذي أسس في القدس عام 1930.
"التداعيات المحتملة"
من المفيد بداية أن نشير إلى احدث نسب توزيع الملكية التي أمكن الحصول عليها ،وإن كانت تحتاج إلى تدقيق ومراجعة وخاصة ان مؤسسة الضمان الاجتماعي قامت بشراء 100 ألف سهم من البورصة الأردنية يوم الخميس فور انتشار نبأ استقالة ومغادرة الحفيد شومان للبنك مما ادى إلى انخفاض و تراجع سعر السهم . وربما من حسن حظ أصحاب حصص الأسهم المؤثرة والكبيرة أن الاستقالة جاءت قبل بدء عطلة العيد والتي ستستمر اربعة أيام حتى صباح يوم الأربعاء مما يعطي للمساهمين الكبار الفترة الزمنية الكافية لتدبير الامر فيما بينهم بانتظار عودة التداول يوم الأربعاء 22-8 وخاصة أن هناك سلسلة اجتماعات واتصالات قد عقدت في مقر البنك المركزي الأردني وخارجه حضرها القائم بإعمال رئيس مجلس الإدارة والأعضاء المؤثرين والتي لم تتوقف خلال عطلة العيد وفقا للمعلومات التي توفرت لنا من مصادر مختلفة تم خلالها تقديم تعهدات معينة لضمان سير العمل بعد انتهاء عطلة عيد الفطر .وعودة إلى توزيع حصص الملكية الرئيسة فهي:مجموعة الحريري 21.8% منها نحو 9.6% حصة السعودية أوجيه و16% لمؤسسة الضمان الاجتماعي الاردنية و11% لمجموعة صبيح المصري المختلفة وأخيرا نحو 6% لآل شومان. وسنحاول الإشارة إلى التداعيات المحتملة في أكثر من قطاع وميدان ومجال.
أولا على صعيد حصص الملكية: من المتوقع فيما إذا قرر الحفيد شومان مغادرة البنك وإنهاء الارتباط كليا وطيَ صفحة علاقة العائلة بالبنك الممتدة ل 82 عاما أن يبيع حصته كليا مما سيتبعه بالضرورة اصدقاء العائلة ومحبيها المنتشرين في العالم وخاصة الأردن وفلسطين والولايات المتحدة الأميركية حيث يقطن معظم أهالي بيت حنينا . ومن السابق لأوانه معرفة المشترين المحتملين وأن كان من الممكن توقعها. لكن الشيء غير الممسوك ولا يمكن التنبؤ به في هذه العجالة هو ما يفكر به الحفيد شومان ،فمن السابق لأوانه الحديث عنه في هذه المقالة. كما قد يدخل مستثمرون جدد سبق لهم وان كانوا أعضاء في مجلس الإدارة وخرجوا منه لأسباب مختلفة.
ثانيا على صعيد الاندماج مع مصارف أخرى : من المحتمل جدا أن تندمج بنوك أقل شأنا وأقل اهمية تابعة أو مملوكة لبعض أعضاء مجلس الإدارة في الأردن ولبنان مع البنك العربي ،ليشكلوا مجموعة مصرفية جديدة يجدوا فيها العزاء والتعويض وليغلقوا الأبواب كليا نحو عودة الحفيد عبود إلى البنك وهذه لا يمكن لها ان تتم بدون موافقة البنك المركزي الأردني ومصرف لبنان ومؤسسة النقد السعودية.
ثالثا على صعيد السياسة الائتمانية : من المؤكد أن السياسة الائتمانية الرزينة والمتحفظة التي اتسم بها البنك واتبعت منذ 82 عاما قد غادرته فعلا مع خروج الحفيد شومان لمقر البنك في الشميساني. فهذه تكاد تكون الحقيقة المحتملة الحدوث في القريب العاجل. فقد كانت السبب المباشر رقم واحد في الخلاف بين الحفيد عبود ومجموعة الحريري ممثلة بشخص المدير العام التنفيذي نعمة الصباغ .لقد طلبت مجموعة الحريري تسهيلات لمشاريعها المتعثرة في لبنان والأردن وكان شومان يرفض باستمرار تقديم أية تسهيلات أو سقوف أو ضمانات ائتمانية جديدة لمجموعة الحريري. والعبرة من ذلك أن المجموعة تنتهج سياسة مغامرة في منطقة درجة المخاطرة وعدم الاستقرار فيها عالية جدا.فالمجموعة تنتمي وترتبط  بتحالفات سياسية مع جهات دولية وأحزاب لها مواقف مؤيدة لإسرائيل وتتعارض مع العديد من الدول العربية والإسلامية.فمجموعة الحريري لا تتوانى أو تتردد في تمويل وتسليح مجموعات معينة وتخصص عشرات الملايين من الدولارات لذلك وهنا تكمن خطورة استئثار واستحواذ المجموعة على البنك العربي الذي نأى بنفسه منذ تأسيسه عن التدخل في العمل السياسي أو تمويل أي عمل حتى لو كان يخص مسقط رأس مؤسسه في بيت حنينا .فقد تمكنت عائلة شومان من التعامل مع كل الدول العربية دون استثناء لأنه لم يكن للعائلة أي طموح سياسي على الاطلاق ولم تقدم قرشا واحدا لأسباب سياسية.ففي لبنان على سبيل المثال أضرب موظفي وعمال بعض شركات مجموعة الحريري قبل شهرين بسبب التأخر في دفع رواتبهم ولم يتوقفوا عن ذلك إلا بعد أن أتصل الحريري نفسه بالموظفين ووعدهم بحل الموضوع عما قريب !! فهل حان الموعد القريب الآن بعد مغادرة شومان. الشيء المؤكد بالنسبة لي ان مؤسسة الضمان الاجتماعي ومجموعة المصري والبنك المركزي الأردني على معرفة وإطلاع كاملين بالأزمات المالية الحادة التي يواجهها الحريري وبالسياسات المغامرة التي يتبعها بما في ذلك انخراطه الواسع بالعمل السياسي وتحالفاته الإقليمية والتكاليف المالية المترتبة عليها وما قد تشكله من مخاطر على ودائع العملاء وأرصدتهم . لذلك فإن وجودهم بل وتعزيزه في المستقبل قد يشكل طمأنينة لشبكة المودعين والمستثمرين ويخفف من الآثار السلبية لخروج الحفيد شومان .

 

ما العمل فلسطينيا ؟
البنك العربي مسجلا حاليا كبنك أردني ويعمل بهذه الصفة ومن غير المستبعد أن يقوم البعض بسحب ودائعه وخاصة أولئك الذين ينتمون إلى المدرسة الكلاسيكية القديمة التي تؤمن بدور العائلات والأشخاص .يمكن لسلطة النقد الفلسطينية ان تتخذ إجراءين رئيسيين هما ،أن تطلب من البنك تعزيز رسالة الطمأنة من البنك المركزي الأم التي يرسلها عادة . فالتغيير الذي جرى في البنك العربي يتطلب تحديث رسالة الطمأنة وهذه تحصل في كل دول العالم ولا غضاضة في طلب ذلك بالإضافة إلى كونه حقا يتم وفق القانون .أما الإجراء الثاني الذي يمكن لسلطة النقد الفلسطينية أن تفعله فهي ان تطلب من البنك العربي/فروع فلسطين عدم تحويل اكثر من 30% من الودائع للمركز الرئيسي وإيداع الباقي لدى سلطة النقد ريثما تنجلي وتستقر الأمور. فما حصل ليس مجرد حدث داخلي بحت . 

التعليـــقات