رئيس التحرير: طلعت علوي

حماسة «يوم العازبين» ليست نفسها .. تباطؤ الاقتصاد الصيني يتراجع بزخم الإنفاق

السبت | 12/11/2022 - 07:44 صباحاً
حماسة «يوم العازبين» ليست نفسها .. تباطؤ الاقتصاد الصيني يتراجع بزخم الإنفاق


شهدت الصين أمس تخفيضات كبيرة على السلع لمناسبة "يوم العازبين" الذي ينفق خلاله المستهلكون مليارات الدولارات سنويا، لكن التفاؤل يبقى حذرا في ظل التباطؤ الاقتصادي والأزمة الصحية.

وبحسب "الفرنسية"، فإنه منذ أكثر من عقد، يشهد يوم 11 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام في الصين سيلا من الخصومات عبر مواقع التجارة الإلكترونية، في حدث أطلقته أساسا عام 2009 مجموعة "علي بابا" العملاقة، عبر موقعيها "تاوباو" و"تي مول"، وحذت حذوها منصات منافسة بينها "جي دي دوت كوم" و"بينديوديو".
ويسمى الـ11 من تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام "يوم العازبين" نظرا إلى تكرار الرقم واحد في هذا التاريخ "11/11".
وهذا العام أيضا، تتأثر معدلات الاستهلاك بالتباطؤ الاقتصادي في البلاد الذي يؤججه استمرار القيود الصحية لمكافحة كوفيد.
وتقر ليو شينجشوي، وهي صينية من العاصمة بكين تبلغ 34 عاما، بأن "الحماسة ليست نفسها" هذا العام مقارنة بالأعوام السابقة، "كما أن التخفيضات ليست بأهمية ما كان يحصل سابقا".
وترى لين شيانجرو المقيمة أيضا في بكين، أن هذا التراجع في الزخم "يعود على ما أعتقد إلى كوفيد"، مشيرة إلى أن "الناس لديهم مدخول أقل استقرارا، لذا فإنهم لا يريدون حكما إنفاق المال في تاريخ محدد على منتجات يحبونها".
لكن على الرغم من كل شيء، قد تتخطى المبيعات خلال يوم العازبين عتبة ألف مليار يوان "140.7 مليار دولار"، وفق المحلل شاوفينج وانج من شركة "فورستر" للدراسات.
وسيشكل هذا المبلغ سابقة، كما أنه يفوق إجمالي الناتج المحلي لدول عدة.
وخلافا للنسخ الأولى التي لم تكن تستمر سوى 24 ساعة وتثير حماسة كبيرة، باتت تخفيضات يوم العازبين تمتد أسابيع عدة وتبلغ ذروتها في اليومين الأخيرين قبل تاريخ الحدث.
فبين الثامنة من مساء الخميس والثانية بعد ظهر الجمعة، بلغت مبيعات متاجر "علي بابا" الإلكترونية وموقع "جي دي دوت كوم" 262 مليار يوان "36.84 مليار دولار"، وفق تقديرات لشركة "سينتون".
هذا المنحى يبدو أضعف من ذلك المسجل في الأعوام الماضية، وفق المحللين.
ويقول فنسان ماريون، أحد مؤسسي وكالة "سلينجشوت" للتواصل التي تتخذ مقرا في شنغهاي والمتخصصة في مجال التكنولوجيا، "إن مواقع الإنترنت حاليا تزخر بالعروض طوال الوقت"، ما قلل من أهمية مثل هذه الأحداث.
ويشير إلى أن "الصينيين باتوا يستهلكون أقل، لكن بنوعية أفضل"، من خلال شراء منتجات بجودة أعلى، فيما يفضل جزء منهم الاستهلاك بطريقة "مسؤولة".
قبل الجائحة، كانت هذه التخفيضات ترفق عادة بحملة إعلامية قوية من "علي بابا"، إذ كانت شاشة عملاقة تظهر حجم التداولات في الوقت الحقيقي.
وكانت وسائل الإعلام تغالي في وصف مجريات هذه المناسبة السنوية مع بلوغ قيمة الطلبيات خلالها عشرات مليارات الدولارات.
وفي الشوارع، كانت جبال من الطرود تتكدس، كما أن جيشا من عمال التوصيل كان يجوب الطرق.
ويذكر ماريون بأن يوم العازبين "كان حدثا ذا بعد وطني في الصين".
لكن الضجة حول هذه المناسبة تتراجع منذ العام الماضي، "إذ بدأت (علي بابا) القول: بات علينا الآن أن نخفف من طموحاتنا"، وفق ماريون.
ومنذ 2020، تواجه الشركات الكبرى العاملة في قطاع الإنترنت قيودا أكثر تشددا من السلطات، بسبب ممارساتها التجارية ونقص في الشفافية إزاء أساليب جمع البيانات.
وكبدت هذه الحملة الرسمية خسائر بمليارات الدولارات لهذه الشركات في البورصة، وتسببت في اهتزاز لاعبين كثر في القطاع بينهم "علي بابا".
يأتي ذلك في وقت أعلنت فيه الصين أمس تخفيف إجراءات مكافحة كوفيد - 19 مع خفض مدة الحجر الصحي للوافدين من عشرة أيام إلى ثمانية، وإلغاء الإغلاق المفاجئ لمسارات طيران أمام بعض الرحلات الجوية.
هذه الدولة الآسيوية هي آخر اقتصاد يبقي على سياسة صحية مشددة لمكافحة الفيروس. تبقى حدودها مغلقة أمام أغلبية الرعايا الأجانب.
تطبق الصين سياسة "صفر كوفيد" التي تتضمن إغلاق أحياء أو مدن كاملة بمجرد ظهور إصابات، وإجراء فحوص واسعة النطاق أو حتى عزل الأشخاص الذين ثبتت إصابتهم والمسافرين القادمين من الخارج.
لكن هذه السياسة غير المرنة تترك تداعيات كبرى على الاقتصاد الصيني وسلاسل الإمدادات العالمية وحركة تنقل الصينيين والأجانب.
في مذكرة نشرها التلفزيون الرسمي، قالت الحكومة "إن اللجنة الدائمة للمكتب السياسي التي تحظى بنفوذ واسع والمؤلفة من سبعة أشخاص اجتمعت الخميس لإقرار تخفيف القيود".
وجاء فيها أيضا أنه "سيظل مطلوبا من الوافدين الخضوع لستة فحوصات للكشف عن الفيروس، ولن يسمح لهم بالخروج خلال الأيام الثمانية".
وأضافت أنه "سيطلب من المسافرين فقط إظهار اختبار الكشف عن كوفيد في غضون 48 ساعة قبل الصعود إلى الطائرة المتجهة إلى الصين، بدلا من فحصين حاليا".
في تطور جديد، تحدد القواعد الجديدة "رجال الأعمال المهمين" و"المجموعات الرياضية" كأمثلة على مجموعات يسمح لها بعدم لزوم الحجر الصحي طالما بقي أفرادها في "حلقة مغلقة" آمنة من الفيروس طوال مدة إقامتهم.
أعلنت الحكومة أيضا أمس إلغاء آلية واجهت انتقادات شديدة وكانت تفرض إغلاقا مفاجئا لمسارات الرحلات، إذا ثبتت إصابة نسبة معينة من الركاب بالفيروس.
يشكل إعلان الجمعة انفراجا لعديد من المسافرين الذين كانوا يخشون حتى الآن أن تلغى رحلاتهم في اللحظة الأخيرة.
كانوا يرغمون على الانتظار عدة أسابيع او حتى عدة أشهر، خارج الصين قبل إيجاد رحلة.
كل هذه الإجراءات أعلنت بعد اجتماع الخميس للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني الذي يضم سبعة من أعلى قادة البلاد وبينهم الرئيس شي جينبينج.
وكانوا قد أعلنوا رغبة بكين "الثابتة" في الحفاظ على سياسة "صفر كوفيد"، لكن هذا لا يمنع إجراء تعديلات.
وأعلنت وزارة الصحة الصينية أمس إصابة 10535 حالة جديدة في الساعات الـ24 الماضية أغلبيتها بدون عوارض.
وهو رقم أعلى مما سجل في الأسابيع الماضية لكنه يبقى أقل مقارنة بأغلبية دول العالم.
وإذا كانت سياسة "صفر كوفيد" ألقت بثقلها بشدة على معنويات الصينيين فإنها سمحت بدون شك بالحد بشكل كبير من الإصابات.
سجلت نحو 5200 وفاة فقط في الصين بحسب الحصيلة الرسمية خلال الوباء، مقابل أكثر من مليون في الولايات المتحدة.
لكن هذه السياسة تثير استياء متزايدا لدى الشعب، أو حتى تظاهرات متفرقة.
والتداعيات الاقتصادية كبيرة إلى حد أن أغلبية المحللين باتوا يعتبرون أنه من المستحيل للصين أن تبلغ هدفها بتحقيق نمو بنسبة "نحو 5.5 في المائة" عام 2022.
بالتالي فإن السلطة في موقف حساس، والمذكرة التي نشرت الجمعة تدعو أيضا إلى عدة إجراءات تخفيف أخرى. فهي "تمنع بشكل مشدد" الإغلاق بشكل وقائي أو لفترة طويلة وإغلاق المدارس الذي لا توافق عليه السلطات أو حتى الحلول الجاهزة التي تطبق بشكل عشوائي.
وتدعو المذكرة أيضا إلى "تسريع" عمليات التلقيح ضد كوفيد في الصين خصوصا لدى المسنين الذين يترددون أحيانا وكذلك إلى تعزيز مخزونات علاجات كوفيد.
وخففت السلطات الصينية بعض أشد قيود مكافحة كوفيد - 19 ومنها خفض فترة الحجر الصحي يومين لمخالطي المصابين والمسافرين الوافدين وإلغاء معاقبة شركات الطيران التي تنقل ركابا مصابين.
وبموجب القواعد الجديدة ستخفض فترة الحجر الصحي للمخالطين والوافدين إلى خمسة أيام بدلا من سبعة في مواقع مركزية إضافة إلى ثلاثة أيام في المنزل.
وشدد المكتب السياسي للجنة الدائمة للحزب الشيوعي الصيني على ضرورة تقليص تأثير إجراءات الاحتواء في الاقتصاد.
وكتب بنك جولدمان ساكس في مذكرة "لا نزال نتوقع أن يبدأ صناع القرار الاستعداد للتخفيف التدريجي لسياسة صفر كوفيد، بينما قد لا يبدأ تخفيف القيود فعليا قبل حلول الربع الثاني من العام المقبل".
من جهة أخرى، شهدت سوق التجزئة الفورية في الصين نموا سريعا في الأعوام الأخيرة، ومن المرجح أن يتجاوز تريليون يوان "نحو 138 مليار دولار" بحلول عام 2026.
شهدت الأعمال الناشئة للبيع بالتجزئة، التي تتميز بالتسليم السريع، عادة في غضون ساعة من الطلبات عبر الإنترنت أو غير المتصلة بالإنترنت، توسعا في حجم سوقها بنحو 81 في المائة في الأعوام الخمسة الماضية، وفقا للتقرير الصادر عن جمعية الصين لسلاسل المتاجر وحقوق الامتياز.
طرحت عديد من منافذ البيع بالتجزئة مثل المتاجر الصغيرة ومحال السوبرماركت خدمات التسوق والتوصيل عبر الإنترنت من المتجر إلى الباب لتلبية احتياجات المستهلكين الذين يعيشون أو يعملون في مكان قريب.
كما شهدت منصات التجارة الإلكترونية إقبالا بسبب شبكة التسليم الواسعة، وفهمها للمستهلكين باستخدام البيانات الضخمة.
بدأت شركة ميتوان الصينية العملاقة لتوصيل الطعام عبر الإنترنت خدمات البيع بالتجزئة الفورية في عام 2018، واحتلت قيمة مبيعاتها 12 في المائة من إجمالي قمية سوق توصيل الطعام في عام 2021. وبلغ متوسط حجم الطلبات اليومية لخدمات التجزئة الفورية على المنصة 4.3 مليون طلب في الربع الثاني من عام 2022.
وقال التقرير "إن سوق التجزئة الفورية تتمتع بمستقبل مشرق، إذ سيساعد المزج بين الرقمنة والتسليم السريع تجار التجزئة التقليديين على توسيع نطاق قاعدة المستهلكين".
إلى ذلك، تم التوصل إلى صفقات مبدئية بإجمالي 73.5 مليار دولار لمشتريات بضائع وخدمات على مدار عام واحد، في معرض الصين الدولي الخامس للاستيراد، الذي اختتم فعالياته في شنغهاي الخميس.
وقال سون تشنج هاي، نائب مدير هيئة المعرض، في مؤتمر صحافي "إن حجم الصفات ارتفع 3.9 في المائة عن العام الماضي".
وأكد سون أن إجمالي 145 دولة ومنطقة ومنظمة دولية حضرت المعرض، مضيفا أن "أكثر من 2800 شركة من 127 دولة ومنطقة شاركت في معرض الأعمال، وعرضت 438 منتجا وتقنية وخدمة جديدة".
وأضاف المسؤول أنه "كان من بين المشاركين 284 شركة على قائمة فورتشن لأكبر 500 شركة في العالم، إضافة إلى شركات أخرى عملاقة".
وقد بدأ التسجيل في معرض الصين الدولي السادس للاستيراد، وحجز المشاركون بالفعل أكثر من مائة ألف متر مربع من منطقة معرض الأعمال.
ويعتبر معرض الصين الدولي للاستيراد أول معرض استيراد على المستوى الوطني في العالم. وأُقيم في الفترة من 5 إلى 10 نوفمبر من هذا العام في شنغهاي.

التعليـــقات