رئيس التحرير: طلعت علوي

رهان على الروبوتات ودمج المزارع لتعديل المشهد الغذائي العالمي في مرحلة ما بعد كورونا

السبت | 05/09/2020 - 07:56 صباحاً
رهان على الروبوتات ودمج المزارع لتعديل المشهد الغذائي العالمي في مرحلة ما بعد كورونا



   
استخدام المزيد من التكنولوجيا في القطاع الزراعي سيصب في صالح المزارعين.


هشام محمود من لندن

aleqt.com


تعد قضايا الغذاء سواء المتعلقة بنقص المواد الغذائية أو المخاطر المحيطة بعدم القدرة على توفير الغذاء للأسواق المحلية، نتيجة انقطاع سلاسل التوريد أو تعطلها واحدة من أبرز القضايا التي سلطت جائحة كورونا الضوء عليها.
عدد ملموس من الدول عانى خلال ذروة الوباء نقصا بينا في عديد من السلع والمواد الغذائية، وكشف كثير من الصور التي بثتها وسائل الإعلام أرفف المحال التجارية خاوية من المواد والسلع الغذائية، تساوت في ذلك الدول الغنية والفقيرة إلى حد ما.
وإحدى نتائج عولمة الاقتصاد العالمي كانت الترابط القوى في سوق الغذاء العالمية، ولم يكن ضمن السيناريوهات المتخيلة أن يصعب على حكومات الدول الغنية - على الأقل - تلبية احتياجات مواطنيها من الغذاء.
إلا أن تلك الأحداث دفعت إلى تجديد التساؤلات المتعلقة بمستقبل توافر الغذاء على مستوى العالم، وإلى أي مدى يمكن أن تتكرر مأساة نقص الغذاء مرة أخرى؟ فبحلول منتصف القرن سيحتاج المزارعون خاصة في الدول المنتجة للمواد الزراعية، التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي لتوفير احتياجات سكان الكرة الأرضية من الغذاء، سيحتاجون إلى مستوى مذهل من التقنية لإنتاج كميات غذائية كافية لإطعام أعداد متزايدة من سكان العالم.
من جانبها، قالت لـ"الاقتصادية" الدكتورة أوشين فايث أستاذة المحاصيل الزراعية في الجامعة الزراعية الملكية، "إن المحركين الرئيسين للطلب على الغذاء هما السكان والدخل، والاثنان في نمو مطرد، فمن المتوقع أن يصل سكان العالم بحلول منتصف القرن إلى ما يقارب عشرة مليارات نسمة مقابل 7.7 مليار حاليا، ويجب على المزارعين على مستوى العالم زيادة إنتاج المحاصيل خاصة من الحبوب بين 25 إلى 70 في المائة مقارنة بمستويات الإنتاج عام 2014 لتلبية الاحتياجات المستقبلية لأعداد أكبر من السكان".
وأضافت "زيادة الطلب على الغذاء هي زيادة طبيعية أيضا ناجمة عن زيادة الدخل نتيجة تنامي معدلات النمو الاقتصادي وارتفاع مستوى المعيشة على مستوى العالم، خاصة في الدول النامية والاقتصادات الناشئة، ونتيجة ذلك ستكون هذه الدول قادرة على توسيع نطاق نظامها الغذائي، وإمداد سكانها بمزيد من البروتين، فارتفاع الدخل ينقل تفضيلات المستهلكين من القمح والحبوب والبقوليات إلى اللحوم".
لكن تجب الإشارة هنا إلى أن تنامي الطلب في الدول النامية والاقتصادات الناشئة على مزيد من البروتين الحيواني، يقابله تنام في الوعي الصحي لدى سكان الدول المتقدمة والأكثر ثراء بالتركيز على مزيد من البروتينات النباتية.
رغم ذلك يلاحظ أنه بحلول منتصف القرن ستكون هناك فجوة غذائية بنسبة 56 في المائة بين السعرات الحرارية التي أنتجت عام 2010 وتلك المطلوبة عام 2050، تضاف إليها فجوة أخرى في الأراضي الزراعية تبلغ 593 مليون هكتار.
إلا أن الاهتمام التقليدي بالمواد الغذائية ومدى توافرها مستقبلا يجعل كثيرا من الخبراء يتغاضون عن التحول الجاري في أعمار المزارعين الذي سيكون له كثير من التداعيات على مستقبل القطاع الزراعي، فوفقا للإحصاءات الدولية يفوق حاليا أعداد المزارعين الذين تزيد أعمارهم على 65 عاما عدد المزارعين الذين تقل أعمارهم عن 45 عاما، والفرق كبير بحيث يوجد 2.1 مزارع أكبر سنا لكل مزارع يقل عمره عن 45.2 عام.
خطورة هذا الوضع ربما تتضح مستقبلا، عندما يخرج المزارعون الأكبر سنا من العمل، فسيكون هناك عدد أقل من المزارعين الأصغر سنا لاستبدالهم.
وحول تداعيات ذلك على الهيكل الزراعي، أوضح لـ"الاقتصادية" الين كريس الباحث الزراعي، أن تراجع أعداد المزارعين سيتطلب إجراء تغيير في الهياكل الزراعية، وستكون هناك حاجة ماسة إلى دمج المزارع، وسينجم عن ذلك تلقائيا تغير في ديناميكيات الإنتاج سواء من ضرورة الاعتماد المكثف على الميكنة، إلى ظهور مشكلات إدارية أكبر وأكثر تعقيدا".
وبين أنه يعني هذا عمليا أن العملية الزراعة خاصة في الدول الفقيرة التي تعتمد على الملكيات الصغيرة، ستنتقل إلى ما يشبه الأعمال التجارية متوسطة وكبيرة الحجم، وسيكون هذا معقدا للغاية خاصة بالنسبة إلى العائلات الزراعية الصغيرة متعددة الأجيال، التي لا تمتلك قدرات استثمارية ضخمة أو خبرات إدارية للتعامل مع الملكيات الضخمة.
ويتنبأ الباحث كريس بأن دمج المزارع سيؤدي إلى البحث عن حلول تقنية مثل الروبوتات، كما أن تكنولوجيا الطائرات بدون طيار سيزداد استخدامها في النشاط الزراعي في الأعوام العشرة المقبلة، وستوفر نحو مائة ألف وظيفة في الولايات المتحدة فقط.
ويعتقد الخبراء أن استخدام مزيد من التكنولوجيا في القطاع الزراعي سيصب في مصلحة المزارعين، وسيساعدهم ذلك على مواجهة تحديات من قبيل توفير المياه والتعامل مع الآثار البيئية وصحة التربة بصورة أكثر كفاءة.
وبالفعل فقد نجح بعض الشركات في تطوير نظام مراقبة يتميز بأجهزة استشعار لمراقبة مستمرة للمحاصيل، وقياس رطوبة التربة ودرجة المناخ بما يوفر قاعدة بيانات لمراقبة المزرعة عبر أجهزة الهاتف المحمول والكمبيوتر لاتخاذ إجراءات فورية إذا لزم الأمر لضمان جودة المحصول.
لكن هذا التقدم التكنولوجي لا يعني بالنسبة إلى الخبراء حلا سحريا لسد الفجوات المقبلة في مساحات الأراضي الصالحة للزراعة وكميات الغذاء المتوافرة.
وهنا ذكر البروفيسور ال. دي ريتشارد الخبير السابق في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو"، أن الأمر "يتطلب مجموعة من التدابير لضمان مستقبل غذائي مستدام".
وأضاف لـ"الاقتصادية" أنه "لا بد من أن يترافق تقليل نمو الطلب على المنتجات الغذائية والزراعية مع زيادة إنتاج الغذاء في الوقت ذاته، وفي ظل محدودية الأراضي الزراعية، لا بد من العمل على حماية واستعادة النظم البيئية الطبيعية وزيادة المعروض من الأسماك وتخفض انبعاثات غازات الدفيئة من الإنتاج الزراعي".
وتعد تلك البنود ضرورية لمواجهة استفحال الأزمة الغذائية العالمية المتوقعة بحلول منتصف القرن، فما يقرب من ربع الغذاء العالمي المنتج للاستهلاك البشري لا يؤكل، نتيجة الفقد والهدر على طول السلسلة الغذائية، وتقليل فقد الأغذية بنسبة 25 في المائة بحلول منتصف القرن، يؤدي إلى سد الفجوة الغذائية بنسبة 12 في المائة، وفجوة الأراضي الزراعية بنسبة 27 في المائة وفجوة التخفيف في الانبعاثات الغازية بنسبة 15 في المائة.
من ناحيتها، قالت لـ"الاقتصادية" شيرلي لويز خبيرة التغذية البريطانية، "إن إدخال تغييرات على العادات الغذائية وجعلها عادات أكثر صحية سيمثل إحدى سبل الحل الجذري لمشكلة الغذاء مستقبلا".
وأضافت "سيرتفع استهلاك لحوم البقر والضأن والماعز بنسبة 88 في المائة حتى عام 2050، ولحوم الأبقار هي الأكثر شيوعا على مستوى العالم، وبطبيعتها تتطلب موارد إنتاجية كثيفة، وتتطلب تلبية تلك الزيادة في استهلاك لحوم الأبقار 20 ضعف مساحة الأرض المخصصة حاليا لزراعة المحاصيل التي تقتات عليها الأبقار بحلول منتصف القرن، والحد من استهلالك اللحوم بصفة عامة إلى 52 سعرا حراريا للفرد في اليوم بحلول عام 2050 يقلل فجوة التخفيف من الغازات الدفيئة بمقدار النصف، ولهذا يجب تحسين تسويق الأطعمة النباتية وتحسين بدائل اللحوم".
وفي الوقت الحالي تتزايد أصوات الخبراء الداعين إلى وقف المنافسة الجارية بين المحاصيل الغذائية والمحاصيل التي تستخدم لتوليد الطاقة الحيوية.
الطاقة الحيوية تتنافس مع إنتاج الغذاء في استخدام الأرض الزراعية، والتخلص التدريجي من محاصيل الوقود الحيوي سيقلص الفجوة الغذائية من 56 إلى 49 في المائة، ويتطلب ذلك من الحكومات خاصة في البرازيل والولايات المتحدة وهما من كبار المنتجين للوقود الحيوي وقف الدعم الموجه إلى الزراعات العاملة في هذا المجال، وعدم التعامل مع الطاقة الحيوية على أنها "محايدة الكربون" وتسهم في حل مشكلات الغازات الدفيئة.
إلا أن تلك الحلول جميعا لا تعد من وجهة نظر البروفيسور ريتشارد جرين أستاذ مادة الأساليب الزراعية في كلية الزراعة في جامعة كارفي، حلولا جذرية لمواجهة قضايا الغذاء التي ستواجه البشرية في العقود الثلاثة المقبلة.
وذكر لـ"الاقتصادية" أن "جميع تلك الحلول تسهم في تعديل المشهد الغذائي، لكن لا تمنحنا شعور الأمن الناجم عن توافر المواد الغذائية، ويجب أن تتخذ إجراءات عاجلة لموجهة الفجوة الغذائية المدفوعة في الغالب بالنمو السكاني، الذي سيحدث نصفه في إفريقيا والثلث في آسيا، وجميع دول العالم تقترب من تحقيق مستوى إحلال الخصوبة بحلول عام 2050 وهو2.1 طفل لكل امرأة".
وأضاف "إفريقيا جنوب الصحراء معدل الخصوبة الحالي لديها خمسة أطفال لكل امرأة، ويتوقع أن ينخفض هذا المعدل بحلول عام 2050 ليصل إلى 3.2 نتيجة التنمية الاقتصادية، ومع هذا يظل معدلا مرتفعا، وإذا حققت إفريقيا جنوب الصحراء معدلات الخصوبة 2.1 فستغلق فجوة الأراضي الزراعية بمقدار الربع وفجوة التخفيف من الغازات الدفيئة بنسبة 17 في المائة مع الحد من الجوع".
وتابع "من ثم حل قضية الغذاء يتم من خلال خفض معدلات الخصوبة طوعيا، وهذا لا يحدث إلا بزيادة فرص تعليم الفتيات، وتوسيع الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية، والحد من وفيات الأطفال، حتى لا يحتاج الأبناء إلى زيادة الإنجاب لضمان بقاء عدد من أبنائهم".
لكن خفض معدلات الخصوبة طوعيا للحد من النمو السكاني، أحد أوجه العملة المطلوبة لمواجهة الأوضاع الغذائية المقبلة، أما الوجه الآخر من وجهة نظر البروفيسور ريتشارد جرين فيمكن أن يعتمد على زيادة إنتاج الغذاء دون توسيع الأراضي الزراعية.
وفي هذا السياق، فإن زيادة أسرع بنسبة 25 في المائة في إنتاج اللحوم والحليب لكل هكتار من المراعي حتى عام 2050 - وذلك ممكن في ظل المستوى التكنولوجي السائد لكنه يتطلب تكثيف الاستثمارات المالية في هذا المجال - يمكن أن يسهم في سد فجوة نقص الأراضي الزراعية بنحو 20 في المائة، وفجوة التخفيف من الغازات الدفيئة بنسبة 11 في المائة.
كما أن تقليل مساحة الأراضي البور وزراعة الحقل بمحصولين في العام نفسه يمكن أن يعززا إنتاج الغذاء دون الحاجة إلى أراض جديدة، وبزيادة الكثافة المحصولية السنوية بنسبة 5 في المائة بحلول عام 2050 يمكن تقليص فجوة الأراضي بنسبة 14 في المائة وتقليص الغازات الدفيئة بنسبة 6 في المائة.
بدوره، يرى البروفيسور ريتشارد جرين أن التحدي المتمثل في إطعام قرابة عشرة مليارات شخص بشكل مستدام بحلول عام 2050 أصعب بكثير مما يدركه الناس، لكن مع ذلك فإن نقص الغذاء ليس قدرا إنسانيا أو لعنة أبدية، إنما عبر تقديم فوائد ملموسة للمزارعين والمجتمع، وإعادة توزيع الموارد واستثمارها بشكل صحيح قد يتغير المشهد جذريا، قد يتطلب الأمر من الإنسانية جهدا هائلا وتغييرات كبيرة في كيفية إنتاجها وتوزيعها واستهلاكها للطعام، لكنه جهد ضروري لإنقاذ مئات الملايين من البشر من خطر المجاعة بحلول منتصف القرن.

التعليـــقات