رئيس التحرير: طلعت علوي

تفاقم النزاع التجاري بين طوكيو وسيئول يهدد قطاع التكنولوجيا .. و«منظمة التجارة» الملاذ الأخير

السبت | 21/09/2019 - 09:17 صباحاً
تفاقم النزاع التجاري بين طوكيو وسيئول يهدد قطاع التكنولوجيا .. و«منظمة التجارة» الملاذ الأخير


   
هشام محمود من لندن


في الوقت الذي تتوجه فيه أنظار العالم للحرب التجارية المشتعلة بين الولايات المتحدة والصين، يندلع نزاع تجاري آخر كبير في آسيا.
فاليابان وكوريا يخوضان صراعا تجاريا عنيفا، وعلى الرغم من أن المعركة لم تتصاعد إلا في الأشهر القليلة الماضية، إلا أن بعض المؤرخين الاقتصاديين يعودون بجذورها إلى أكثر من قرن من الزمان.


وخلال الشهر الماضي، أزالت طوكيو سيئول رسميا من "القائمة البيضاء"، التي تضم دولا تتمتع بأوضاع تجارية تفضيلية. فاليابان تعد المنتج الرئيس لثلاث مواد كيميائية أساسية تدخل في صناعة الإلكترونيات في كوريا، المواد الثلاثة هي فولينريدت بولياموز، ومقاومات الضوء، وفلوريد الهيدروجين، وبينما تنتج اليابان نحو 90 في المائة من المادة الأولى والثانية من إجمالي الإنتاج العالمي، فإنها تنتج نحو 70 في المائة من الناتج العالمي من فلوريد الهيدروجين، ما يجعل من الصعب على كبرى شركات التكنولوجيا والهواتف الذكية في كوريا وأبرزها "سامسونج" و"إل جي" إيجاد بدائل.


كوريا من جانبها، لم تقف مكتوفة الأيدي، حيث اتخذت الخطوات الطبيعية في مثل تلك النزاعات، فتقدمت بشكوى رسمية إلى منظمة التجارة العالمية، بشأن قيود التصدير اليابانية.
وبموجب قواعد منظمة التجارة، يجب أن تجتمع كوريا واليابان في غضون 30 يوما، وإذا فشلت المحادثات فيمكن لسيئول أن تطلب الحكم من قبل لجنة تسوية المنازعات.
لكن الإجراءات الكورية لم تقف عند هذا الحد، إذ أزالت اليابان أيضا من "قائمتها البيضاء"، التي تضم أكثر الشركاء التجاريين الموثوق بهم، مما مثل خطوة على طريق مزيد من التدهور في العلاقات بين البلدين الحليفين للولايات المتحدة.

 

aleqt.com


وفيما دعت اليابان كوريا على إيضاح أسباب إلغائها الوضع التفضيلي لها، اكتفت سيئول بأن هذا التغيير يعني أن صادرات بعض السلع الاستراتيجية إلى اليابان، ستخضع لفحص أكبر من الشحنات المماثلة، التي تجد طريقها إلى 28 دولة أخرى تحصل على مزايا تفضيلية.
ونفت سيئول أن يكون هذا الإجراء انتقاميا من اليابان، وإنما يأتي في إطار جهود تحسين سيطرتها على صادراتها من المواد الاستراتيجية.
الدكتور مايك مالكوم، أستاذ التاريخ الاقتصادي في جامعة ويلزيرى، يؤكد أن جذور الخلاف بين البلدين تاريخية.


ويوضح لـ"الاقتصادية"، أن "الخلاف ينبع إلى حد كبير من اختلاف التصورات حول ما إذا كانت اليابان أبدت إدانة كافية لاستعمارها لشبه الجزيرة الكورية في الفترة من 1910 إلى 1945. ففي ذلك الوقت تم تجنيد الكوريين للعمل في المصانع والمناجم، التي كانت تدعم آلة الحرب اليابانية، بينما أجبرت النساء الكوريات على العمل في الدعارة".


ويستدرك مالكوم قائلا "خلال العام الماضي قضت المحكمة العليا في كوريا لمصلحة الأفراد، الذين يسعون للحصول على تعويض من الشركات اليابانية عن العمل القسري خلال تلك الحقبة الاستعمارية، إلا أن اليابان عدت أن الحكم ينتهك معاهدة عام 1965 بين البلدين، وأنها دفعت التعويضات الكافية بموجب تلك المعاهدة، وعبر صندوق أنشئ عام 2015 لهذا الشأن، إلا أن سيئول تعد تلك التعويضات غير كافية".
وفي إطار التوتر المحتدم، طلبت كوريا من اللجنة الأولمبية الدولية حظر علم "الشمس المشرقة" في اليابان خلال أولمبياد طوكيو العام المقبل، على غرار حظر العلم النازي.


وبذلك، تدهورت العلاقات التجارية بين طوكيو وسيئول إلى أدنى مستوى منذ عقود، وإذا ثبت استحالة حل تلك التوترات، فقد تكون تلك الحرب التجارية ذات انعكاسات خطيرة على الاقتصاد العالمي، بالنظر إلى حجم التبادل التجاري بينهما والبالغ 124 مليار دولار سنويا.
ويقول لـ"الاقتصادية"، الدكتورة سامنتا جورج أستاذة التجارة الدولية، إن "النزاع الحادث الآن بين الدولتين الآسيويتين يختلف عن الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، التي قد تسفر عن فوز الولايات المتحدة، ما يعني الحد من قدرة الصين الاقتصادية، وما تمثله من تحد حقيقي للولايات المتحدة ووضعها العالمي ككل".


وتضيف سامنتا "إذا خرجت الصين منتصرة، فلربما تكون بداية النهاية للهيمنة الأمريكية الدولية، أما حرب اليابان وكوريا فلن تسفر إلا عن اثنين من الخاسرين، وربما تكون خسائر أحدهما أكبر من الأخرى، إلا أن كليهما سيكون خاسرا".


وتتوقع سامنتا، تراجع القدرات الإنتاجية لشركات صناعة الرقائق الإلكترونية في كوريا نتيجة اعتمادها على واردات المواد الكيمائية من اليابان، ويحتمل أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار الهواتف الذكية، وبعض الأجهزة الإلكترونية والشاشات المسطحة على المستوى العالمي.
وتشير سامنتا إلى أن "كوريا تنتج 40 في المائة من شاشات الكريستال السائل في العالم، و20 في المائة من أشباه الموصلات، ولا شك أن ذلك سيؤدي إلى تراجع الاقتصاد الكوري المعتمد على الصادرات، وبالفعل تظهر بيانات آب (أغسطس) تباطؤا للشهر التاسع على التوالي في الصادرات بنسبة 13.6 في المائة، ويحتمل أن تمتد المصاعب الاقتصادية إلى جميع أنحاء آسيا، إذ إن المصدريين اليابانيين عليهم الآن الدخول في عملية طويلة من الإجراءات لبيع سلعة معينة لكوريا، ويحتمل أن يعطل ذلك سلاسل الإمدادات التكنولوجية في آسيا، ففيتنام على سبيل المثال تستورد أكثر من 20 في المائة من وارداتها من السلع الوسيطة من كوريا".


بالنسبة لليابان، فإن بعضا يعتقد أن قرارها تجاه كوريا كان بمنزلة الصدمة العكسية، فصادراتها إلى كوريا هبطت خلال الشهر الماضي 9.4 في المائة، مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
ورغم أن خسائر كوريا في المدى القصير قد تكون أكبر، إلا أن الشركات الكورية ستبحث عن بدائل أخرى، ما سيصيب اليابان وصادراتها من المواد الكيمائية بخسائر على المدى الطويل.
ولدى الشركات الكورية مخزون يكفيها لعدة أشهر، وإذا كانت في الوقت الراهن تتجه لشراء احتياجاتها من اليابان لجودتها العالية، فإنه يمكنها استبدالها بمكونات أمريكية الصنع أو صينية.


وربما تخرج الشركات اليابانية خاسرة من تلك المعركة، لأن الشركات الكورية تسهم بحصة كبيرة في أرباحها.
على أية حال، يعتقد البروفيسور وليام بتلر أستاذ العلوم السياسية في جامعة كامبريدج، أنه من المستبعد التوصل إلى حل سريع لتلك المشكلة، فاليابان تدرس تلك الخطوة منذ شهور، وقد حظيت الخطوة اليابانية بدعم شعبي كبير، في حين أن رئيس كوريا مون جاي إن، لا يريد أن يفقد شعبيته بالخضوع لليابانيين قبل انتخابات تشريعية مقررة العام المقبل.
ويخشى البروفيسور بتلر، من أن تكون تلك الحرب التجارية وغيرها من الحروب الاقتصادية الأخرى الأقل حدة، علامة من علامات تصدع النظام الاقتصادي العالمي.


ويوضح لـ"الاقتصادية"، أن "هذا التصدع قد يكون ملمحا واضحا بشأن إمكانية انهيار المنظومة الاقتصادية الدولية، فالنزاعات التجارية تتصاعد، ليس فقط بين الخصوم، بل بين الحلفاء أيضا، ولا يوجد فرامل لإيقافها، والخطورة أن تلك النزاعات يمكن أن تتفاقم لتنتقل من المحيط الاقتصادي إلى المحيط الأمني، وإذا ما حدث ذلك فسنكون أمام تطور نوعي خطير، لأن الكارثة لا تكمن فقط في انهيار المنظومة الاقتصادية العالمية، وإنما غياب بديل حقيقي يمكن أن يحل محل النظام القائم حاليا بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات، وهذا ربما يقود إلى حالة من الفوضى الاقتصادية التي لن ينجو منها أحد".

التعليـــقات