رئيس التحرير: طلعت علوي

تمهيد الطريق لتحقيق التنمية «1 ــ 2»

الإثنين | 01/07/2019 - 10:50 صباحاً
تمهيد الطريق لتحقيق التنمية «1 ــ 2»


ديفيد ليبتون

بعد ثلاثة عقود ونصف العقد من بدء ما يعتقد أنها أنجح قصص التنمية في العصر الحديث، ها هي الصين تجد نفسها عند منعطف خطير. فلا بد أن تتحول من نموذج النمو المدفوع بالاستثمار والمعتمد على التصدير الذي قارب على استنفاد موارده ــ مع تزايد المخاطر الاقتصادية الكلية والمالية والتكاليف البيئية التي لا يمكن الاستمرار في تحملها ــ لتسلك مسارا جديدا للنمو الأكثر ارتكازا على الاستهلاك المحلي، وأكثر احتواء لجميع شرائح السكان، وأكثر مراعاة للبيئة.


والدور المهيمن لحكومة الصين في الاقتصاد يعني أن إدارة مواردها المالية ــ أي سياسة المالية العامة ــ تمثل أساسا لنجاحها في الماضي ونواة لتحديات المستقبل. ويتعين حاليا إجراء إصلاحات سياسة المالية العامة لتوفير الحماية لإنجازات الماضي والتمهيد للتحسينات المستمرة في المستقبل.


أهداف الإصلاحات الاستراتيجية. هناك أهداف رئيسة لهذه الإصلاحات الاستراتيجية، وهي:

تحقيق توازن الموازنة، إبطاء وتيرة تراكم الديون التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى إثقال كاهل موازنات الحكومات ودافعي الضرائب، مع مراعاة دور سياسة المالية العامة في منع حدوث تباطؤ حاد في النمو؛ التسعير الصحيح للمنتجات، معالجة التأثير السلبي لاستخدام الموارد، وخاصة الطاقة، وإلغاء الدعم الذي يصب في صالح المؤسسات المملوكة للدولة أكثر من القطاع الخاص؛ ضمان كفاءة استخدام أصول الدولة وعائداتها بتشديد قيود الموازنة على الحكومات المحلية والمؤسسات المملوكة للدولة؛ العمل على استعادة توازن الاقتصاد بالتحول من فرط الادخار وعدم كفاءة الاستثمار إلى زيادة دخل الأسر واستهلاكها وخفض الاستثمار الخاص ولكن مع زيادة قدرته الإنتاجية، وخاصة في قطاع الخدمات الذي لا يزال غير متطور بالقدر الكافي. وسيساعد تنفيذ هذا البرنامج على حماية الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتعزيز دور الحكومة في إدارة الموارد العامة على نحو يتسم بالحصافة والكفاءة، وتشجيع التغيير الهيكلي الضروري في الاقتصاد ــ وبعبارة أخرى المساعدة على تحقيق نمو أكثر توازنا، وأكثر عدالة، وأكثر مراعاة للبيئة ــ لصالح الصين والمنطقة والاقتصاد العالمي.


ولم يكن سجل أداء الصين في التنمية على مدار الأعوام الـ35 الماضية بأقل من المبهر، حيث ظل الاقتصاد ينمو بمعدل يقارب 10 في المائة سنويا.
وزاد معدل دخل الفرد الحقيقي بأكثر من أربعة أضعاف منذ عام 1980 ليصل إلى 7600 دولار تقريبا في 2014، ما أدى إلى تصنيف الصين في مرتبة بلدان الشريحة الأدنى من فئة الدخل المتوسط وانتشال أكثر من 600 مليون نسمة من براثن الفقر، طبقا لمؤشرات التنمية العالمية التي يصدرها البنك الدولي. فأصبحت الصين في الوقت الحالي أكبر اقتصاد في العالم على أساس تعادل القوى الشرائية. وقد أسهمت مكانة الصين الاقتصادية في القرار الذي اتخذ أخيرا بضم عملتها ــ اليوان الصيني ــ إلى سلة عملات حقوق السحب الخاصة في صندوق النقد الدولي.


وكان لسياسة المالية العامة الصينية وإصلاحاتها دور رئيس في استراتيجية الصين الإنمائية. فمع نمو دخل الفرد زاد كذلك الطلب على السلع والخدمات العامة. وعلى مدار السنوات، تمكن القطاع العام في الصين من مواكبة هذا الطلب المتزايد مع الاستثمار بكثافة في التنمية الاقتصادية للبلاد، بفضل إصلاحات المالية العامة، ومنها في مجالات السياسة الضريبية، وسياسة إدارة الإيرادات والنفقات، والعلاقات المالية بين المستويات الحكومية، وإجراءات إعداد الموازنة وإدارة الخزانة، وتوفير السلع العامة. فقد أدت الإصلاحات الرئيسة في العلاقات بين المستويات الحكومية إلى تحسين الإيرادات وتمهيد تقلبات الإنفاق بين مختلف الأقاليم. كذلك أدت إصلاحات الإدارة المالية العامة إلى دعم زيادة كفاءة وضوابط الإنفاق العام. ومن أهم هذه الإصلاحات أن الحكومة أدخلت تخفيضات كبيرة على الصناديق التي كانت ممولة في السابق من خارج الموازنة أو أدرجتها في الموازنة كما قامت بتحديث نظم الموازنة لديها، بعدة سبل منها تحسين تبويب النفقات.


وعلى الرغم من هذه الإصلاحات، فقد نشأت أخيرا مواطن ضعف يمكن أن تهدد استمرارية النمو طويل الأجل. فالاختلالات الاقتصادية الكلية المتنامية، والمخاطر المحيطة بالمالية العامة والنظام المالي، وزيادة عدم المساواة، والتدهور البيئي تقتضي جميعا مزيدا من الاهتمام.


وكان برنامج التنشيط المالي في الصين، الذي بدأ تنفيذه في أعقاب الأزمة المالية العالمية، قد خصص نحو 11 في المائة من إجمالي الناتج المحلي أساسا للاستثمار في البنية التحتية ومشاريع الإسكان الاجتماعي. وقد عززت الدفعة التنشيطية النمو السريع بعد في الصين وأعطت الطلب العالمي دفعة جديرة بالترحيب. غير أنه تبين بعد ذلك صعوبة إلغائها وأنها أسهمت في توسيع فجوة الاختلالات المالية وتراكم الدين الحكومي. ونظرا لأن تنفيذ الجانب الأكبر من هذه الدفعة التنشيطية كان عن طريق الحكومات المحلية، بالتمويل من خارج الموازنة أساسا، فقد أثار القلق بشأن إمكانية استمرار أوضاع المالية العامة على المستوى المحلي.


كذلك شهدت الصين تزايد عدم المساواة، ما يرجع جزئيا لعدم تصاعدية النظام الضريبي بالقدر الكافي كما أنه لا تزال هناك فجوات كبيرة في الإنفاق على الحماية الاجتماعية. وبينما بذلت الصين جهدا ملحوظا لتوسيع نطاق نظام الضمان الاجتماعي وحماية الفئات محدودة الدخل، فلا تزال أوجه التفاوت الكبيرة قائمة. وعلى سبيل المثال، نجد أن نظام التقاعد يقدم تغطية شبه شاملة لكبار السن، ولكن المتقاعدين بنظام الرواتب يحصلون على مزايا أكبر من المتقاعدين من دون رواتب. ولا يزال تضييق هذه الفجوة يمثل تحديا كبيرا... يتبع.

التعليـــقات