رئيس التحرير: طلعت علوي

الصدام ام التفاهم.. “حرب الغاز” تشتعل في شرق المتوسط، ،ومصر وتركيا في على خط المواجهة

الأحد | 10/03/2019 - 08:39 صباحاً
الصدام ام التفاهم.. “حرب الغاز” تشتعل في شرق المتوسط، ،ومصر وتركيا في على خط المواجهة

 

كانت الأشهر القليلة الماضية حافلة بالنسبة لقطاع الغاز شرقي البحر المتوسط. فبعد قرابة عقد من التكهُّنات بشأن إمكانات المنطقة من الموارد، يبدو أنَّ التطورات قد وضعتها أخيراً في اتجاه جديد، بحسب صحيفة The Financial Timesالبريطانية.

ففي يناير/كانون الثاني الماضي، التقى وزراء الطاقة من قبرص ومصر واليونان والأردن وإسرائيل، إلى جانب ممثلين عن إيطاليا والسلطة الفلسطينية، في القاهرة لمناقشة التعاون الإقليمي في الغاز البحري.
كانت النتيجة إطلاق منتدى غاز شرق المتوسط، وهي منصة تهدف لتطوير سوق غاز طبيعي إقليمي واستغلال البنية التحتية القائمة الخاصة بالغاز الطبيعي المُسال في مصر.
جاء ذلك عقب التوصل إلى اتفاقٍ في ديسمبر/كانون الأول الماضي بين مصر وقبرص، نصَّ على الالتزام بإيجاد والحفاظ على الظروف المناسبة لإنشاء خط أنابيب يربط حقل أفروديت للغاز الطبيعي في المياه القبرصية بمحطات الغاز الطبيعي المسال في مصر.
وحدث تطورٌ آخر في فبراير/شباط الماضي، حين أعلنت شركة Exxon Mobil اكتشافاً جديداً للغاز في المياه القبرصية، يؤدي إلى زيادة موارد البلاد المُقدَّرة في مياهها بأكثر من الضعف.
لكن مع كل هذه التطورات وقفت الدول المطلة على بحر الغاز على خطوط المواجهة ضمن مجموعتين، تربط المصالح السياسية بين أطراف كل منهما.
في المجموعة الأولى مصر وإسرائيل وقبرص واليونان والأردن والسلطة الفلسطينية، وفي المجموعة الثانية دول مستثناة من الكعكة، لكنها ترفض الترتيبات التي تجري من خلفها وهي تركيا وقبرص الشمالية وسوريا ولبنان، ومن خلفها لاعبون إقليميون آخرون، هما روسيا وإيران.
ورغم أن المنتدى الذي ضم مصر وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية استبعد تركيا في التنسيق لسياسات الطاقة وإنشاء سوق غاز إقليمية في المنطقة للاستفادة من موارد الغاز الطبيعي الهائلة فإنه قد يصبح مركز التصدير لأوروبا بالفعل حتى بدون الاتفاق مع أنقرة التي تقول إنها «متمسكة بحقوق قبرص الشمالية في غاز شرق المتوسط» وهي عبارة متواترة في كلمات المسؤولين الأتراك، في رأي إمري أرشان، أستاذ العلوم السياسية بجامعة مرمرة التركية.
ويقول إمري أرشان لـ «عربي بوست» إن «هذه الرسالة وصلت عملياً للدول الأربع المتحالفة ضد تركيا، قبرص وإسرائيل ومصر واليونان، عبر الوجود العسكري التركي في المنطقة البحرية المحيطة بجمهورية شمال قبرص».
ويعتقد أرشان أن «قبرص وإسرائيل ومصر واليونان تشكل كتلةً جيواستراتيجية معادية لتركيا، رغم أن البلدان الأربعة لديها مصالح مختلفة، وأسباب متباينة للتوتر مع تركيا، لكنها تتوحد حول ملف الغاز في حلف لن يستمر طويلاً».
ويرى أن احتياطيات الغاز بإسرائيل في شرق المتوسط ستساعد على تحسُّن العلاقات بين تركيا وإسرائيل من جهة، وبين تركيا وإسرائيل وقبرص من جهة أخرى، وهذا بدأ بالفعل مع إسرائيل منذ 2016، ولكن بسبب القدس وغزة، توترت العلاقات مع إسرائيل مرة أخرى، ولكنه قال: «أتوقع أن الغاز سيلعب دوراً في استعادتها».
ومع ذلك سيبقى استبعاد تركيا حجر عثرة أمام مستقبل التعاون والتكامل في مجال الطاقة في المنطقة، وعلى الرغم من أن دمج تركيا في المنتدى سيؤدي لتحسين إمكانيات نجاح EMGF،  لكن لا يبدو من المحتمل دعوة تركيا للانضمام بينما قبرص واليونان وإسرائيل ومصر هم المؤسسون للمنتدى وتحتفظ كل منهم بأسبابها السياسية أو التاريخية للخلاف مع أنقرة.
وكشفت التحركات الأخيرة للحكومة التركية علامات عدم الاستقرار التي حملها معه المنتدى الجديد؛ فردّاً على استبعادها من المجموعة، أجرت تركيا تدريبات بحرية عسكرية في يناير/كانون الثاني في منطقة حددتها قبرص كجزء من منطقتها الاقتصادية الخالصة (EEZ) ، وتعتزم إجراء «أكبر تمرين بحري خلال السنوات العشرين الماضية».في بحر إيجه وشرق المتوسط ​​والبحر الأسود في مارس/آذار الجاري. وتقول وسائل الإعلام التركية إن هذه التدريبات تهدف إلى «إرسال رسالة» إلى أعضاء صندوق النقد الأوروبي الذين يدعمون EMGF.
وحتى قبل استبعادها من المنتدى  كانت التوترات مرتفعة بين تركيا وجيرانها حول موارد شرق البحر الأبيض المتوسط. وقال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في حفل عسكري أقيم في إسطنبول في نوفمبر/تشرين الثاني، إن بلاده لن تسمح بخطط استخراج الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط إذا استُبعدت تركيا وحلفاءها في جمهورية شمال قبرص.
وأضاف أردوغان: «نحن لا نعتدي على حقوق وقوانين الدول الأخرى. نحن فقط نحمي حقوق بلادنا وإخواننا… ولن نسمح لقطاع الطرق في البحار بالتجوال بحرية مثلما منعنا الإرهابيين في سوريا».
وأظهر خطاب أردوغان مدى إصرار تركيا على إعاقة استخراج الغاز من قِبل اليونان وقبرص. وحتى استعداد تركيا لخطط التنقيب في المنطقة وربما عسكرة النزاع، إذا اقتضت الضرورة التركية لمنع التنقيب من قِبل قبرص واليونان حول المياه القبرصية المتنازع عليها بين شطري الجزيرة المنقسمة.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2018، أصدرت تركيا 3 نشرات ملاحية تحدد منطقة بحرية للتدريبات العسكرية والمسوحات الزلزالية، وكان واضحاً أنها تتقاطع مع المناطق الاقتصادية التي تعتبرها قبرص واليونان خاصة بها، وبالإضافة إلى ذلك، أشارت التقارير التركية المحلية إلى أن أنقرة تخطط لإنشاء قاعدة بحرية في شمال قبرص في عام 2019.
وليست تركيا هي الوحيدة المستبعدة من التعاون حول الغاز في شرق البحر المتوسط الذي تقوده EMGF فهناك أيضاً سوريا ولبنان.
فور الإعلان عن المنتدى أبدت بعض وسائل الإعلام ومسؤولون لبنانيون انزعاجهم من الخطوة واقترحوا اتباع مسار موازٍ مع تلك البلدان التي لم تكن موجودة فيه وخاصة تركيا وسوريا وحتى العراق! وبدا أن رد الفعل اللبناني من الاستبعاد مندفع ومتأثر بالشعور المتزايد بالعزلة عن محيطه، خاصة مع وجود دولة معادية في الجنوب ونزاع سوري مشتعل في الجوار.
لكن هناك وجهات نظر أخرى؛ إذ تنتقد منى سكرية في دراستها المنشورة بمجلة التنفيذية الاقتصادية هذا النهج الانعزالي، وتقول إن ردة الفعل اللبنانية لا تدرك أن البلد ليس لديه رفاهية اختيار الأصدقاء، كما أن EMGF ليس نادياً مغلقاً أيضاً، وهو مفتوح لبلدان أخرى في المنطقة للانضمام.
وتضيف سكرية أنه من المحتمل أن ينضم بلد غير عضو اليوم مثل تركيا في المنتدى الجديد، خاصة إذا تم إيجاد حل للنزاع القبرصي (ومن المتوقع أن تستأنف المفاوضات هذا العام).
وفي عام 2013  صرّح وزير الطاقة آنذاك جبران باسيل لصحيفة الشرق الأوسط: «على عكس إسرائيل على سبيل المثال، لا يواجه لبنان مقاطعة إقليمية، ونحن لسنا معزولين عن طرق إمداد الغاز إلى أوروبا»، لكن بعد سنوات من هذا التصريح، يبدو أن إسرائيل أقل عُزلة مما ظن الوزير.
وفي تعليقه على إعلان صندوق النقد الدولي دعمه لمنتدى الغاز في يناير/كانون الثاني 2019، أعرب وزير الطاقة المؤقت، سيزار أبي خليل، أن «لبنان ليس قلِقاً بشأن تصدير غازه… لدينا العديد من الخيارات لاستثمار مواردنا»، مشيراً إلى السوق المحلي، وحصة الدولة من الهيدروكربونات المنتَجة، وطرق التصدير الأخرى المحتملة.
وأضاف الوزير أن لبنان يمكن ربطه من الشمال بخط غاز إلى تركيا وحتى إلى أوروبا عبر خط الغاز العربي (على الرغم من أن مد خط الأنابيب إلى تركيا عبر سوريا لم يتم إنجازه بعد). وأيضاً يمكن ربط لبنان بسوق الغاز عبر الجنوب إلى مصر ومصانعها للغاز الطبيعي المسال، وأشار الوزير أيضاً إلى خيار التصدير الثالث، الذي يتمثل في خط أنابيب محتمل قبالة البحر إلى تركيا.
ومع ذلك، ليس من المؤكد أن السوق المحلية اللبنانية وحدها تحتاج تطوير موارد الغاز في لبنان والبنية التحتية بالبلاد، وهذا يعني أنه من المحتمل أن تكون طرق التصدير مطلوبة.
والأمر الآخر في بلد مثل لبنان، فإن المخاطر السياسية والأمنية التي تعرقل تطوير المشاريع الكبرى تؤدي دوراً كبيراً في دولة تعاني بالفعل أزمة طاقة ووقود وكهرباء ضخمة.
بدأت القصة الملحمية للغاز في المنطقة بين عامي 2009-2011، باكتشاف حقلي تمار وليفياثان قبالة السواحل الإسرائيلية، وحقل أفروديت قبالة سواحل قبرص. ووُضِعَت خيارات التصدير المتنوعة تدريجياً على الطاولة، بدءاً من خطوط الأنابيب (إلى تركيا أو اليونان)، وحتى محطات الغاز الطبيعي المسال (في قبرص وإسرائيل ومصر). كانت التوقعات كبيرة، وكان يُروَّج للاكتشافات باعتبارها وسيلة لتعزيز حقبة جديدة من الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة.
لكنَّ التوقعات التي كانت موجودة في البداية ثبطت منذ ذلك الحين. ففي إسرائيل، تسبَّب نقاشٌ طويل حول إدارة موارد الغاز في حالة من عدم اليقين والتأجيلات في القرارات المتعلقة بالاستثمار. وفي قبرص، حيث رُحِّب باكتشافات الغاز باعتبارها هبة من الله لتخفيف المشكلات المالية بالبلاد، فتُرت الحماسة بسبب عمليات إعادة التقدير المتلاحقة التي أظهرت انخفاض حجم الاكتشافات عما كان يُعتقَد. وأثارت تلك التطورات حالة من التشكك في كامل فكرة أنَّ المنطقة ربما باتت منطقة مُصدِّرة للغاز الطبيعي.
لكنَّ الآمال أُحييت من جديد في عام 2015، حين اكتشفت شركة الطاقة الإيطالية Eni حقل ظُهر قُبالة الساحل المصري، وهو أكبر اكتشاف على الإطلاق بالبحر المتوسط. وفي تطورٍ سريع غير مسبوق، بدأ الإنتاج بحقل ظهر في ديسمبر/كانون الأول 2017، وهو ما ساعد مصر على استعادة اكتفائها الذاتي من الغاز بعد سنواتٍ مضطربة تحولت فيها البلاد من كونها مُصدِّراً صافياً للغاز إلى مستورد صافٍ له. أذِنَ حقل ظهر كذلك بمرحلةٍ جديدة في التنقيب بالمياه قبالة السواحل المصرية، وهو ما أدّى إلى مزيدٍ من الاكتشافات.
تتجاوز أهمية حقل ظُهر حدود مصر. فقربه من الحقول البحرية الأخرى قبالة سواحل إسرائيل وقبرص قد يسمح بالتنسيق والتطوير؛ ومن ثم توفير وفورات أو اقتصاديات الحجم المطلوبة لإيجاد بنية تحتية إقليمية تنافسية لتصدير الغاز.
وتملك مصر بالفعل بنية تحتية لتصدير الغاز الطبيعي المسال في مدينة إدكو بدمياط، بطاقة 19 مليار متر مكعب سنوياً ، لكنَّها متوقفة حالياً. قد يتيح هذا التصديرَ الفوري للغاز من الحقول المصرية والإسرائيلية والقبرصية. ويمكن توسعة المحطتين إذا لزم الأمر.
وبالنسبة لإسرائيل وقبرص، فإن التعاون مع مصر أمر بالغ الأهمية، إذ يعد بناء البنية التحتية للتصدير وتطوير الحقول حلقة مفرغة، فإذا كانت هناك مخاطر سياسية أو تجارية فلن تكون هناك بنية تحتية جاهزة للتصدير عند بدء الإنتاج وستفقد كثير من الأموال، وإذا كان أداء الحقل ضعيفاً مقارنةً بالتوقعات، فإن البنية التحتية المكلفة ستظل بلا عمل. (على سبيل المثال، تقدر تكلفة مشروع LNG Vasilikos القبرصي المقترح بـ5 مليارات يورو ؛ وبالمثل فإن مشروع خط أنابيب شرق المتوسط الذي يربط بين إسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا يقدَّر بأكثر من 6 مليارات يورو).
ومن منظور اقتصادي بحت يمكن أن يكون الجمع بين البنية التحتية غير المستغلة والقابلة للتطوير مع بعض المجالات الجديدة في الاقتصاد هو المفتاح لنهضة اقتصادية مشتركة.
لكن هنا تأتي مشكلة سياسية أخرى، إذ يرى مراقبون أن تأسيس هذا المنتدى يحمل أبعاداً مختلفة، إذ إنه يربط مصالح إسرائيل رسمياً بمصالح مصر والأردن وفلسطين، كما أنه سيجعل إسرائيل كياناً محورياً في الاقتصاد الإقليمي، ولاعباً رئيساً على الصعيد الدولي، بسبب الإمكانات التكنولوجية والتمويلية المتوافرة لدى تل أبيب، التي لا تتوافر لأي من أعضاء المنتدى، الذين يصارعون مشاكل اقتصادية كبيرة، ويقيمون اقتصادهم على القروض والمعونات.

 

©مدار نيوز-وكالات

التعليـــقات