رئيس التحرير: طلعت علوي

أضواء على الصحافة الإسرائيلية 18-19 كانون الثاني 2019

السبت | 19/01/2019 - 11:10 صباحاً
أضواء على الصحافة الإسرائيلية 18-19 كانون الثاني 2019

 

"هم لن يقرروا": حملة "مجهولة" ضد عدد من المحللين الصحفيين الذين ينتقدون سياسة نتنياهو

تكتب صحيفة "هآرتس" أنه تم، صباح يوم الجمعة، نصب لافتة كبيرة عند تقاطع "جليلوت"، بين طريق الساحل وطريق أيالون، تحمل صورا للصحافيين بن كاسبيت وأمنون أبراموفيتش ورفيف دروكر وجاي بيلج، وكتب فوقها شعار: "هم لن يقرروا". وفي الوقت نفسه، تم فتح صفحة على الفيسبوك تحت نفس الشعار، وكتب في إحدى المشاركات: "منذ سنوات تحاول وسائل الإعلام التسريب لنا بشكل منهجي رسائل كراهية ضد نتنياهو".
وتضيف الصحيفة على موقعها الإلكتروني، أنه ليس من الواضح من الذي يقف وراء نشر هذه اللافتة وفتح صفحة الفيسبوك، لكن فحصًا موجزًا كشف أن الصفحة ممولة وموجهة بشكل يظهرها في صفحات المستخدمين الذين يتعقبون صفحة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على الشبكة الاجتماعية.
وانتقد بعض السياسيين هذه اللافتة على وسائل التواصل الاجتماعي. وكتبت رئيسة الحركة، عضو الكنيست تسيفي ليفني، على تويتر: "إذن، هل الصحفيون هم الذين يهرعون الآن؟ الجمهور هو الذي سيقرر أنه بدلاً من رئيس الوزراء الذي ينتج الأعداء في الداخل، ويفرق ويحرض الشخص على أخيه من أجل ضمان بقائه هو، ستكون هنا حكومة تعزز المحاكم ووسائل الإعلام الحرة. نعم ديموقراطية"!
وكتب عضو الكنيست إيتسيك شمولي، من حزب العمل: "حقاً إنهم لن يقرروا ولا يطمحون إلى أن يقرروا ... أنت في ورطة، يا بيبي، ليس بسبب التحليلات، بل بسبب الأدلة والرشوة والاحتيال وخيانة الثقة".
ونشرت رئيسة ميرتس، النائب تمار زاندبرغ، صورة للافتة بعد تعديلها، بحيث استبدلت وجوه الصحفيين بوجوه يئير نتنياهو و"الظل" وشمعون ريكلين والمحامي يورام شيفتل، إلى جانب التعليق: "بالطبع إنهم لن يقرروا".
يشار إلى أن حزب الليكود هو الوحيد الذي يعارض فرض حظر على نشر مثل هذه الدعاية المجهولة. وقدم الحزب موقفه في هذا الشأن إلى رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي المتقاعد حنان ميلتسر، الأسبوع الماضي، وطالب بأن يتم رفض الالتماس المقدم بهذا الشأن، من دون إجراء نقاش حوله. كما يعترض الليكود على دفع قانون سريع قبل الانتخابات، يمنع نشر الدعاية المجهولة على الشبكة.
وكان المحاميان شاحر بن مئير وإسحاق أفيرام قد قاما، قبل شهر، بتقديم التماس إلى لجنة الانتخابات المركزية طالبا فيه بإصدار أمر بحظر الدعاية المجهولة الهوية على الإنترنت. وبموجب قانون الدعاية، يجب أن يحمل أي إعلان يتم طلبه من قبل أحد الأحزاب "اسم وعنوان الشخص المسؤول عن الطلب". وبما أن القانون يرجع إلى عام 1959، قبل عصر الإنترنت، فقد طلبا إصدار أمر يفرض القانون على الإعلان عبر الإنترنت، بالإضافة إلى الإعلان في الصحف وعلى لافتات الطرق.
وصرح مجلس الصحافة بأنه "يرى في اللافتة غير الموقعة باسم الناشر، بداية حملة أخرى من التحريض في الحملة الانتخابية ضد وسائل الإعلام".
ممثلو الدروز غضبوا من شاكيد بعد أن أوضحت: لن نغير قانون القومية
يكتب موقع صحيفة "هآرتس" الإلكتروني، أن وزيرة القضاء اييلت شكيد، اجتمعت صباح الجمعة، مع المتظاهرين الدروز ضد قانون القومية، خارج منزلها في حي رامات هحيال في تل أبيب. وخلال حديثها مع المتظاهرين، أوضحت شكيد أن القانون لن يتغير، لكن من المستحيل الاختلاف مع مشاعرهم بشأنه. وقد أغضبت مقولتها هذه بعض المتظاهرين، الذين صرخوا وقاطعوا كلمات الوزيرة.
وأضافت شكيد: "نحن لا نختلف على حقيقة ان الجميع يتمتعون بالمساواة المدنية الكاملة، وقد حاولنا دفع ذلك في الحكومة". ووفقا لها فإنه: "من أجل شفاء الجرح، من الممكن دفع مشروع قانون منفصل يحدد وضع الطائفة الدرزية، ولا يوجد في القانون ما يضر بالمساواة المدنية".
ورد عليها العميد أمل أسعد، أحد قادة الاحتجاج، قائلا إن المتظاهرين ليس لديهم رغبة في عدم وجود قانون قومية، وأنهم يريدون التأكد من أنه يتضمن المساواة. وقال لها: "خذي عبارة مساواة مدنية واجتماعية وأضيقي كلمة ديموقراطية ولن يتبقى أي نقاش". وحسب كلماته، فإن المتظاهرين لا يسعون للحصول على تعويض أو استثناء الطائفة الدرزية من قانون القومية، بل الحفاظ على قيمة المساواة.
وفي وقت لاحق، وصل المتظاهرون إلى منزل تسيبي ليفني، زعيمة حزب الحركة، وهناك تم التوقيع بشكل رمزي على نسخة من إعلان الاستقلال. وقالت ليفني: "يوجد هنا تحالف المتساوين، دولتي هي دولتكم، أنتم لستم ضيوفا، أنت متساوون. منذ متى أصبحت كلمة مساواة كلمة فظة؟ كل واحد منكم يقاتل وقاتل ودفع ثمناً للدفاع عن دولة إسرائيل، والمساواة جزء من هوية الدولة اليهودية، وهي جزء من إعلان الاستقلال، وهي جزء مما نحن جميعنا هنا".
الجيش الإسرائيلي هدم منزل عائلة الفلسطيني الذي نفذ الهجوم في غوش عتصيون في أيلول
تكتب "هآرتس" أن قوات الجيش الإسرائيلي دمرت، ليلة الجمعة، بشكل جزئي، منزل عائلة خليل جبارين، الذي قتل في أيلول الماضي، المستوطن أري بولد، من مستوطنة إفرات، عند تقاطع طريق غوش عتصيون. ووفقا لتقارير فلسطينية فقد وصلت قوة كبيرة من الجيش الإسرائيلي، بعد منتصف الليل، إلى منزل عائلة جبارين في قرية يطا في منطقة الخليل، وقامت بإخلاء السكان إلى مكان قريب وفجرت الطابق الثالث من المبنى. وكانت قوات الأمن قد اعتقلت جبارين بعد الهجوم، بعد أن تمكن بولد من إطلاق النار عليه وإصابته قبل أن ينهار.
وفي اليوم التالي للهجوم، في 17 أيلول، قامت قوات الأمن الإسرائيلية والشاباك بقياس بيت العائلة تمهيدا لهدمه. وقدمت الأسرة التماسًا إلى المحكمة العليا التي ناقشته الشهر الماضي وقضت بهدم الطابق الثالث من المبنى الذي كان يعيش فيه جبارين مع والديه واثنين من أشقائه.
وفي الأيام التي أعقبت الهجوم، قيل إن والدة جبارين وصلت إلى حاجز ميتار في تلال الخليل الجنوبية قبل وقت قصير من وقوع الهجوم وحذرت من نية ابنها القيام بها. ولكن خلال النظر في التماس الأسرة، اتضح أن الأم وصلت إلى مكان الحادث للبحث عن ابنها دون ذكر أي شيء عن نواياه - وأن قائد نقطة التفتيش استنتج أنه قد يشن هجوما.
السلطة الفلسطينية أطلقت سراح فلسطيني من القدس الشرقية كان قد حكم عليه بالسجن المؤبد بسبب بيع منزله للمستوطنين
تكتب "هآرتس" أن السلطة الفلسطينية أطلقت سراح عصام عقل، أحد سكان القدس الشرقية، الذي حكم عليه بالسجن المؤبد في السلطة الفلسطينية بعد قيامه ببيع منزله في البلدة القديمة من القدس للمستوطنين. وتم إطلاق سراح عقل، وهو مواطن أمريكي، من السجن، يوم الخميس، تحت ضغط من المسؤولين الأمريكيين، ومن المتوقع أن يغادر البلاد في الأيام المقبلة.
وكان عقل (55 عاما)، في السابق، مسؤولا كبيرا في مستشفى فلسطيني في القدس. وتم اعتقاله قبل ثلاثة أشهر خلال زيارته إلى رام الله. وجاء الاعتقال في وقت كان فيه الشارع الفلسطيني في القدس والضفة الغربية في حالة اضطراب بسبب بيع منزل في الحي الإسلامي للمستوطنين. وتم الاشتباه بقيام مسؤولين كبار في السلطة الفلسطينية بالمساعدة على بيع المنزل، الذي كان يعود في الأصل إلى عائلة جوده - وهي عائلة فلسطينية مخضرمة تعيش في الحي الإسلامي، وكانت احدى عائلتين تحملان مفاتيح كنيسة القيامة.
ووفقاً لكثير من المصادر الفلسطينية، فقد كان الهدف من اعتقال عقل هو تطهير اسم السلطة الفلسطينية من الصفقة. وقد حوكم عقل، الذي يحمل بطاقة هوية إسرائيلية بصفته أحد سكان القدس الشرقية، في محاكمة عاجلة وفرض عليه السجن مدى الحياة والعمل الشاق. ووفقاً لبيان صادر عن مركز المعلومات في النظام القضائي، فقد أُدين عقل "بمحاولة نقل جزء من أرض فلسطينية إلى بلد أجنبي". ووفقاً للحكم، فقد شارك في نقل الملكية في المدينة القديمة إلى جمعية المستوطنين "عطيرت كوهنيم".
وبعد اعتقاله مباشرة، بدأت إسرائيل بممارسة الضغط على السلطة الفلسطينية لإطلاق سراحه. ومن بين أمور أخرى، ألقت الشرطة القبض على عدنان غيث، محافظ منطقة القدس في السلطة الفلسطينية. وداهمت قوات الأمن الإسرائيلية والشاباك مكاتب غيث وأفرج عنه بعد أسبوع من الاحتجاز. وزعمت مصادر في القدس الشرقية أن غيث يؤثر على الشارع في القدس أكثر من المسؤولين الآخرين في السلطة الفلسطينية، وأن الشرطة أرادت إضعاف قوته.
نتنياهو يغادر مساء السبت لزيارة تشاد
تكتب "يسرائيل هيوم" أن إن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو سيتوجّه مساء السبت إلى تشاد في أول زيارة يقوم بها رئيس حكومة إسرائيلية إلى هذه الدولة الأفريقية ذات الأغلبية الإسلامية. وتأتي هذه الزيارة ردا على الزيارة التي قام بها الرئيس التشادي إدريس دبي، قبل نحو شهرين، إلى إسرائيل. ومن المتوقع أن يمضي نتنياهو عدة ساعات في تشاد، والعودة بعد ذلك إلى إسرائيل. وستجري زيارة نتنياهو وسط حراسة أمنية مشددة.
وتشير الصحيفة إلى أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين سادت حتى حرب يوم الغفران (1973)، وتم قطعها ضمن قرار غالبية الدول الأفريقية مقاطعة إسرائيل. ومنذ سنوات الثمانينيات تحافظ إسرائيل وتشاد على علاقات غير رسمية، وتم التكتم عليها بسبب الضغط العربي على تشاد. وتضمنت العلاقات إرسال خبراء زراعة إسرائيليين إلى تشاد لتعزيز هذا الفرع هناك. ووفقا لبعض التقارير فقد حافظ البلدان على تعاون أمني أيضا.
وأجرى دبي خلال زيارته إلى اسرائيل محادثات مع نتنياهو تركزت على التعاون المشترك بين البلدين في مجالات الزراعة والطاقة الشمسية والصحة والمياه، بالإضافة إلى مناقشة التغيرات التي تمر بها العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي.
اتفاق إسرائيلي - هندي على تعزيز التعاون الثنائي في المجالات الأمنية والتكنولوجية والاقتصادية
تكتب "يسرائيل هيوم" نقلا عن مصادر سياسية رفيعة المستوى أن إسرائيل والهند اتفقتا على تعزيز التعاون الثنائي بينهما في المجالات الأمنية والتكنولوجية والاقتصادية.
ووفقا لهذه المصادر فقد تم الاتفاق على ذلك خلال زيارة قام بها مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، مئير بن شبات، إلى الهند مؤخراً، والتي عقد خلالها عدة اجتماعات مع كبار المسؤولين الهنود وفي مقدمهم رئيس الحكومة ناريندرا مودي. وخلال الاجتماع مع هذا الأخير جرت محادثة هاتفية بينه وبين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.
وأشارت المصادر نفسها إلى أن بن شبات استعرض أمام مضيفيه جهود إيران الرامية إلى التموضع عسكرياً في سورية ونشاطاتها المزعزعة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
غرينبلات: "عدد قليل جدًا من الناس في العالم يعرفون ما تتضمنه صفقة القرن"
تكتب "يسرائيل هيوم" أن مبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، نفى تقريراً تلفزيونياً إسرائيلياً ادعى أن خطة إدارة ترامب للسلام سوف تعرض على الفلسطينيين قيام دولة على مساحة 85-90% من أراضي الضفة الغربية، وأكد أن التقرير غير دقيق.
وكانت القناة 13، قد نقلت الليلة ليلة الخميس/الجمعة، عن مسؤول أميركي وصفته بأنه رفيع المستوى قوله إن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين المعروفة باسم "صفقة القرن" سوف تتضمن مثل هذا العرض بشأن الدولة الفلسطينية، وستنص على تقسيم القدس مع احتفاظ إسرائيل بالسيادة على القدس الغربية وأجزاء من القدس الشرقية ومنطقة "الحوض المقدس" بما في ذلك البلدة القديمة ومحيطها، وأشار إلى أن منطقة "الحوض المقدس" سوف تُدار بشكل مشترك مع الفلسطينيين والأردن وربما دول أُخرى.
وأكد غرينبلات، في تغريدة نشرها في حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" يوم الخميس، أن التقرير التلفزيوني غير دقيق، وأشار إلى أن أشخاصاً قليلين جداً في العالم يعرفون ما تتضمنه خطة السلام الأميركية.
وتوقع غرينبلات ظهور تسريبات مفترضة أُخرى متعلقة بالخطة الأميركية، وأكد وجوب عدم منحها أي صدقية. وقال إن المصادر الموثوق بها الوحيدة بشأن خطة السلام هي الرئيس دونالد ترامب، ومستشار البيت الأبيض جارد كوشنر، والسفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، وغرينبلات ذاته.
وفور بثّ التقرير التلفزيوني المذكور احتج سياسيون يمينيون إسرائيليون على أي اتفاق إسرائيلي - فلسطيني بوساطة أميركية يمنح دولة للفلسطينيين.
وقال حزب "اليمين الجديد" برئاسة الوزيرين نفتالي بينت وأييلت شكيد إنه لن يشارك في حكومة توافق على حل الدولتين مع الفلسطينيين.
ودان الناطق بلسان رئاسة السلطة الفلسطينية نبيل أبو ردينة الخطة الأميركية، وقال إن أي خطة سلام لا تشمل قيام دولة فلسطينية مستقلة ضمن خطوط 1967 مع كامل القدس الشرقية عاصمة لها سوف تُمنى بالفشل.
وكان السفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان أكد مؤخراً أنه لن يتم الكشف عن خطة السلام الأميركية إلا بعد الانتخابات الإسرائيلية العامة التي ستجري يوم 9 نيسان المقبل.
مقالات
"عصابة لصوص": عباس يستصعب تجاهل الاحتجاج الاجتماعي في الضفة
تكتب عميره هس، في "هآرتس" أن شعار "عصابة لصوص"، كان الشعار المفضل بشكل بارز لدى المتظاهرين الفلسطينيين، الذين رددوه، يوم الجمعة، تحت مكاتب مؤسسة التأمين الاجتماعي في وسط البيرة المحاذية لرام الله، احتجاجا على كل النظام السياسي – البيروقراطي الذي يدير حياتهم. بدء من الموظفين في الأسفل، وحتى الشخص الذي يقف على قمة الهرم، محمود عباس، وإن كان اسمه لم يذكر. لم يعنيهم مطلقا أنه في نفس ذلك اليوم، 15 كانون الثاني، كان عباس سيلقي خطابا في الأمم المتحدة في إطار ما يعرضه هو ورجاله كإنجاز دبلوماسي فلسطيني هام آخر: نقل رئاسة مجموعة الـ 77 (الدول النامية) إلى دولة فلسطين، رغم مكانتها كمراقبة فقط في الأمم المتحدة. الإضراب العام الذي اعلنه القطاع الخاص في مدن الضفة الغربية يوم الثلاثاء، في موازاة المظاهرات، يعني الجمهور اكثر من بادرة حسن نية دولية تتمثل باعتراف احتفالي بدولة على الورق.
إلى جانب مطالبة المتظاهرين بإلغاء قانون الدفع الإجباري للضمان الاجتماعي، هل يمكن اعتبار التنظيم الذي يقف خلفهم بمثابة قوة جديدة موحدة، أو أنها إضافة لقوى أجهزة الطرد المركزي القوية التي تفكك النظام السياسي الفلسطيني إلى أجزاء تبتعد أكثر فأكثر عن بعضها البعض؟
إن أكثر قوة مفككة (إذا تركنا جانبا سيطرة إسرائيل وسياسة حظر الحركة التي تفرضها) هو العداء بين حماس وفتح، والذي وصل في الأسابيع الأخيرة إلى مستوى جديد من الاتهامات المتبادلة بالخيانة. في 22 كانون الأول 2018، أعلن محمود عباس عن حل المجلس التشريعي الفلسطيني وإجراء الانتخابات بعد ستة أشهر. وسنعود لاحقا إلى هذا القرار. في نهاية كانون الأول وبداية كانون الثاني اعتقلت قوات أمن حماس في غزة عشرات المؤيدين لفتح، واستدعتهم للتحقيق وفرقت بالعنف مراسم إحياء ذكرى تأسيس فتح ومنعت إقامة مهرجان آخر. وردا على ذلك قام الأمن الوقائي الخاضع لسيطرة فتح باعتقال عشرات نشطاء حماس في شمال الضفة. ومن ثم قام مجهولون باقتحام مكاتب صوت فلسطين التابع للسلطة في غزة وخربوا المعدات. وأعلنت السلطة عن سحب رجالها العاملين على معبر رفح، الأمر الذي أدى إلى إغلاقه. وفي 9 كانون الثاني صوت أعضاء قائمة فتح في المجلس التشريعي في غزة وأعلنوا عن عدم أهلية عباس السياسية كرئيس. صحيح أنه لم يتم نشر ذلك في وسائل الإعلام المؤيدة للرئيس، لكن الهوة المفتوحة بين جيب غزة وجيوب السلطة الفلسطينية في الضفة – واصلت التعمق. في نفس اليوم أيضا، علم أنه خلافا لأعضاء القوائم الأخرى، لم يحصل أعضاء المجلس التشريعي من حماس في الضفة على رواتب التقاعد كمتقاعدي المجلس التشريعي الذي تم حله.
ولكن ذلك كله لم يشغل بال المتظاهرين في يوم الجمعة. إنهم ينأون بأنفسهم عن الأحزاب السياسية. ابتعادهم هو دليل على تفكك الثقافة الأيديولوجية الفعالة التي ميزت جدا النظام السياسي الفلسطيني، في يوم ما.
تصميم جماعي
كخلفية موسيقية مرافقة للهتافات، قام بعض المتظاهرين بالنفخ في الأبواق البلاستيكية التي تمت استعارتها من مباريات كرة القدم في جنوب أفريقيا. وقام طابور من رجال الشرطة ورجال الأمن الوطني، الذين تحصنوا وراء جدار متحرك، بإغلاق الشوارع أمام حركة السيارات ومنعوا المتظاهرين من الاقتراب من مكاتب مؤسسة الضمان الاجتماعي. ولم يتم استخدام العنف. "بالتأكيد يوجد لهم أيضا، أشخاص من العائلة يعارضون القانون"، قال أحد المتظاهرين وهو يشير إلى رجل الأمن الوطني الذي وقف مسلحا بين زملائه وهو يحمل سيجارة مشتعلة بين أصابعه.
منذ انتظام المعلمين في المدارس الحكومية من اجل تحسين شروط عملهم، قبل ثلاث سنوات، لم تقم حركة اجتماعية بهذا القدر من التصميم، التي تشرك كل الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية. لقد تم التوقيع على قانون الضمان الاجتماعي من قبل عباس كمرسوم رئاسي في 2016، ومنذ ذلك الحين اجتاز عدة تعديلات وتحسينات بسبب الانتقاد الذي وجه إليه من قبل منظمات المجتمع المدني وممثلي منظمات اليسار. ولكن تم بالتدريج تهميش التنظيمات والنشاطات الأخرى للمطالبين بإجراء تغييرات أخرى في القانون، الذين يؤيدون وجوده كجزء من نظام العدل الاجتماعي والضمان المتبادل. الحركة الشعبية الواسعة التي تدعو إلى إلغائه هي التي تملي النغمة اليوم.
احتجاج المعلمين الذي حظي بتأييد الجمهور تم قمعه من قبل أجهزة امن السلطة، وتم حله عبر التهديد والوعود الكاذبة. ربما لأنها اختارت لجنة معلمين ممثلة مستقلة، وقامت بتحدي طريقة تعيين المقربين من السلطة وفتح كممثلين للنقابات المهنية، ومنها نقابة المعلمين. أما الآن فإن ممثلي السلطة يتظاهرون بالإصغاء لادعاءات الحركة ضد قانون الضمان الاجتماعي. ربما يخشون من حركة كرة الثلج الكامنة في الشعار الذي يردده أعضاء الحركة. “الشعب يريد إلغاء القانون” (على نمط الدعوات في تونس ومصر، "الشعب يريد إسقاط النظام"). ويبدو أنهم يقدرون أن الحركة الحالية غير متبلورة بما يكفي ولا تنافسهم على التمثيل السياسي.
في يوم الثلاثاء نفسه، الذي دخل فيه القانون حيز التنفيذ، اعلن المشرف على مؤسسة الضمان الوطني، ماجد الحلو، عن إجراء تعديلات أخرى عليه، باتجاه تحسين حقوق العمال وتعزيز تمثيلهم. وقرر بأنه لن يتم إلغاء القانون، لكنه اعترف بأن الجهات المسؤولة فشلت في توضيح أهمية القانون للجمهور. وواجه كل تفسير له عدم ثقة من قبل الجمهور وتفسيرات متناقضة. وفي الواقع، فشلت أيضا منظمات اليسار ومنظمات المجتمع المدني التي أجرت المفاوضات في السنة الأخيرة على تعديل القانون، بحيث يدافع أكثر عن حقوق العمال. في نصف السنة الأخيرة شاهدوا كيف تم عقد تحالف بين العمال والمشغلين ضد القانون. مصلحة المشغلين التي تكمن في عدم تخصيص أموال لصالح مخصصات الشيخوخة وإجازات الولادة واضحة. ولكن ما الذي يحرك العمال لمعارضة ضمان حقوقهم مستقبلا؟
اقتحامات متعددة المعاني
"لا توجد ضمانة لتأمينكم"، كتب على احدى اليافطات في المظاهرة. وذكرّت الشعارات الأخرى التي رددها المتظاهرون بأنه في الأسابيع الأخيرة اقتحم الجيش الإسرائيلي رام الله كل يوم وفي وضح النهار – حتى أن الجنود وصلوا إلى منزل محمود عباس ومكاتب الوزارات الحكومية – واقتحموا عشرات المحلات التجارية والمكاتب، وصادروا أفلام كاميرات الحماية، أو طلبوا الأرقام السرية للوصول إلى صورها. في رام الله يناقشون إذا كانت هناك أهمية خفية لهذه الاقتحامات، التي تجري بالذات في الأحياء الأكثر تماهيا مع السلطة. إذن لا يوجد ضمانات للتأمين، لأنه لا يوجد أي شيء مضمون تحت السلطة العليا الإسرائيلية، لكن أيضا لأنه لا توجد ثقة بالمؤسسات التي أقامتها السلطة وبنزاهة كبار المسؤولين والموظفين الذين يديرونها ويضعون أيديهم على أموال الجمهور.
احدى هذه المؤسسات هي "المحكمة الدستورية"، التي أمر عباس في أعقاب توصياتها، في نهاية كانون الأول بحل المجلس التشريعي. لقد تم سن القانون الذي يؤسس لهذه المحكمة في 2003 ونص على أن مهمتها تقديم الرأي وتفسير مواد الدستور غير الواضحة في حالة حدوث خلاف بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. بعد فوز حماس في انتخابات 2006 تم تغيير القانون بصورة خاطفة، بحيث تم إلغاء مشاركة المجلس التشريعي في تعيين القضاة، وإلغاء صلاحيات المحكمة الدستورية في انتقاد ومراقبة نشاطات الرئيس. حتى نيسان 2016 لم يتم تعيين قضاة لتفعيل المحكمة. وفجأة تم الإعلان عن تعيين تسعة قضاة، وكان أحد القرارات الأولى التي اتخذوها هو منح الرئيس صلاحية عزل أعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني – مثلما فعل بعدوه محمد دحلان وزملائه من حركة فتح. لكن الانتقادات الشديدة لعدم دستورية هذه الخطوة وعدم استقلالية القضاء ووجهت بحائط أصم.
الآن أوصت المحكمة الدستورية بحل المجلس التشريعي الذي لم يعمل تقريبا منذ تشكيله في 2006. فالاعتقالات التي نفذها الجيش الإسرائيلي في أوساط نواب حماس في الضفة الغربية ورفض فتح الاعتراف بالهزيمة، أدت إلى شل المجلس فعليا. بعد الحرب الأهلية في 2007 وتأسيس السلطة المزدوجة لم يعقد المجلس في الضفة الغربية أي اجتماع له، وإن كان النواب قد حاولوا التأثير بطرق مختلفة على قرارات الحكومة وعلى الخطاب العام. وقد استبدلت المراسم الرئاسية القوانين – في قطاع غزة تجتمع قائمة حماس وتسن قوانين تهم غزة فقط. وقد انتهت فترة أهلية دورة المجلس منذ زمن طويل (في العام 2010). وفي نفس السنة أيضا انتهت صلاحية ولاية محمود عباس كرئيس.
ولكن استمرار وجود المجلس التشريعي اعتبر دائما ثغرة لإحياء نشاط المؤسسات المشتركة في الضفة وغزة كشرط لإنهاء الانقسام. وباستثناء حقيقة أن عباس لم يحدد أنه ستجري بموازاة انتخابات المجلس انتخابات للرئاسة، لا أحد يؤمن بأن الانتخابات للمجلس ستجري بعد ستة أشهر تقريبا. وإذا جرت، فذلك سيكون فقط في جيوب الضفة الغربية، الأمر الذي سيعزز الفصل والانقسام بين الأجزاء المختلفة. مع حل المجلس التشريعي وبتوصية المحكمة الدستورية التي يساور الشك قانونيتها، يوضح عباس بأنه حتى فصل السلطات الشكلي لا يهمه، وأن الانقسام ليس كارثة، وأنه سوية مع من يقولون له نعم في فتح، مستعد لأن يواصل وينفذ دوره في فصل قطاع غزة عن سكان الضفة الغربية.
حين يحطم أبو مازن القواعد
يكتب نداف شرغاي في "يسرائيل هيوم" أنه بعد صيف أسود من الحرائق التي لا تتوقف، يزدهر الجنوب مرة أخرى بشقائق النعمان. غير أنه إلى جانب المناظر الطبيعية الرائعة، يعود أيضا "التنقيط": صافرات الإنذار، القذائف الصاروخية في عسقلان وفي حقول النقب أو طائرة صغيرة متفجرة تحمل 80 بالون. كما أن مسيرات العودة على الجدار ترتدي بالتدريج ذات النمط العاصف والعنيف الذي كان قبل بضعة أشهر فقط. في آخر واحدة منها، يوم الجمعة الماضي، ازداد عدد المتظاهرين بخمسة آلاف، ومرة أخرى تم إلقاء قنابل يدوية وعبوات ناسفة نحو جنود الجيش الإسرائيلي.
المسيرة رقم 43، المتوقعة اليوم (الجمعة)، يصفها الجيش الإسرائيلي كحدث مفصلي آخر يبين إلى أين تسير الأمور. ولكن بشكل مفاجئ، ظاهرا، فان المسبب لما يبدو كانهيار تدريجي لآخر التفاهمات بين إسرائيل وحماس يرتبط هذه المرة بقدر اقل بإسرائيل وحماس اللتين من مصلحتهما الحفاظ على الهدوء والتهدئة الآن، ويرتبط بشكل أكبر بأبي مازن بالذات. وقد صاغ مصدر استخباري، استعرض الأوضاع أمام الوزراء هذا الأسبوع، دوافع سلوك حماس في الساحة الجنوبية على النحو التالي: "هي 80 في المئة ونحن 20 في المئة".
لقد فهم الوزراء على الفور. وها هو إيضاح للقراء أيضا: أبو مازن يمارس ضغطا اقتصاديا ثقيلا على حماس في غزة كي ينزع سلاحها، وتنقل له السيطرة على القطاع. وتختار حماس الرد بتصعيد منضبط حيال إسرائيل. الطرفان في النزاع التاريخي الفلسطيني الداخلي يتوقعان أن تقوم إسرائيل بالعمل نيابة عنهما. حماس تعتقد ان إسرائيل، بمساعدة من مصر، قادرة على الضغط على أبو مازن كي يستأنف ضخ أموال السلطة الفلسطينية إلى القطاع. وفي المقابل كان يسر أبو مازن لو ان إسرائيل “تقوم بالعمل نيابة عنه” فتسقط سلطة حماس في غزة. الطرفان يقرران شد الحبل الآن بالذات عشية الانتخابات في إسرائيل، وفي الأيام التي يدخل فيها رئيس أركان جديد إلى منصبه. الفريق أفيف كوخافي يعرف منذ الآن (مثل أسلافه) بان الساحة الجنوبية بالذات، التي تضعها إسرائيل في آخر سلم الخطورة (بعد إيران؛ حزب الله والضفة) هي الأكثر اشتعالا وتفجرا.
هذه الأيام هي أيام إزالة الأقنعة في الجنوب، على الأقل في الجانب الفلسطيني. فالاحتواء الإسرائيلي لحكم حماس في القطاع، بما في ذلك استئناف تنقيط الصواريخ، سيء لأبو مازن. وقد قال ذلك صراحة للرئيس المصري السيسي، ولكنه اكتشف، لخيبة أمله، بان السيسي، الذي يقاتل بقايا داعش في شمال سيناء “مدين” لحماس بعد أن استجابت هذه لطلبه وكفت عن مساعدة تنظيم الدولة الإسلامية. وفي ضوء ذلك ابلغ أبو مازن، خائب الأمل، السيسي بانه سيتم قريبا جدا تجميد حتى الأموال القليلة التي تحولها السلطة الفلسطينية إلى غزة، 96 مليون دولار في الشهر. وأوضح أبو مازن للسيسي قائلا: “لست مستعدا لتمويل من يتآمر على إسقاطي في الضفة”.
مسألة ألـ 15 مليون دولار
مقابل “طلاق” أبو مازن، اختارت حماس، كما أسلفنا، الرد باستئناف تنقيط الصواريخ في الجنوب، وبالتصعيد المتجدد للأحداث على الجدار. ويوضح قادة المنظمة لمصر انهم يتوقعون من إسرائيل ان تمارس نفوذها الكبير على أبو مازن – الذي يتعلق حكمه بها – وبالمقابل يعدون بالهدوء المتجدد. ليس واضحا حتى متى.
بين هذين الضغطين المتناقضين تختار إسرائيل مواصلة السير بين القطرات. فالرد العسكري على الاستفزازات المحدودة لحماس يبقى طفيفا. ومع ذلك، تؤخر إسرائيل حاليا تنفيذ النبضة المالية الثالثة التي اتفق عليها في إطار التفاهمات الأخيرة مع حماس. وهي تؤخر تحويل 15 مليون دولار آخر، المال القطري المخصص لدفع رواتب موظفي حماس. في المرة السابقة التي سمحت فيها إسرائيل بتحويل المال القطري لحماس، اثأر الأمر انتقادا شديدا في الرأي العام الإسرائيلي. والان، في موسم الانتخابات، فان هذه النبضة أصعب على إسرائيل بكثير. رغم ذلك لم تتراجع الحكومة عن استعدادها المبدئي لتحويل الأموال ولكنها تطلب أولا التأكد من أن "التنقيط" الصاروخي سيتوقف وأن حدة المسيرات على الجدار ستخف ولن تتصاعد مثلما تهدد حماس علنا.
“ما الذي يمر به أبو مازن؟ لماذا يدفع حماس نحو مواجهة مع إسرائيل؟” سأل هذا الأسبوع أحد الوزراء. وبالفعل، فان التحول في الساحة الجنوبية يجسد أكثر من أي شيء آخر ما نسب لأبو مازن نفسه. فخصومته الشديدة مع حماس أخرجت منه كلمات، كان يمكن في وضعية أخرى، ان تنسب بسهولة افيغدور ليبرمان أو لنفتالي بينت. فقد انتقد أبو مازن تعامل نتنياهو اللين مع حماس وقال لمقربيه بهذه الكلمات تماما: “نتنياهو يدفع لحماس في غزة التي تنفذ عمليات في الضفة”. ووصف مقربو رئيس السلطة مزاجه بالنسبة لحماس بكلمات “إما كل شيء أو لا شيء”. لقد وصلت الأمور لدرجة ان عزام الأحمد، المسؤول عن ملف المصالحة الفلسطينية في السلطة أوضح بانه في ضوء الوضع في غزة، تفكر السلطة بالإعلان عن غزة كإقليم متمرد، مما سيؤدي إلى وقف كل أنواع المساعدة وتجميد أموال حماس ومنظماتها الفرعية في البنوك الفلسطينية والعربية.
هذا الأسبوع قال موظف أمريكي كبير عن سلوك أبو مازن انه لو كان الرئيس العجوز، الذي يعيش آخر أيام حياته قلق على شكل تسجيل ميراثه في صفحات التاريخ، يوظف نصف الطاقة التي يوظفها فقط في صراعه ضد حماس، لمحاولة إحياء المسيرة السياسية مع إسرائيل لكان قد تغير الواقع في المنطقة. غير أن أبو مازن يفكر الآن بطريقة أخرى. فهو مغتاظ من اعتراف إسرائيل بحماس بشكل غير مباشر، إذ تحمي مكانتها وتحول لها الأموال. “أنتم تقيمون لحماس دولة في غزة فيما تبقون لنا حكما ذاتيا في الضفة”، هكذا يقول المرة تلو الأخرى في محادثاته مع الإسرائيليين. وفي لقاءات غير رسمية يقول علنا انه كان يسره لو تقم إسرائيل وتقضي على حكم حماس، وفي زيارته الأخيرة إلى مصر قال حتى لمضيفيه ان حكم حماس في غزة يجب أن ينتهي.
يعيش أبو مازن نفسه في مصاعب اقتصادية كبيرة، عقب رفضه الانخراط في “صفقة القرن” لترامب. فهو يرفض لقاء المبعوثين الأمريكيين الذين يحاولون التحدث معه. وعندما نقل إليه مؤخرا اقتراح للموافقة على عاصمة فلسطينية في أحياء شرق مقدسية كأبو ديس، قلنديا وشعفاط، قال بسرعة: يضحكون علينا. لا أبو ديس ولا قلنديا، بل فقط القدس الشرقية المحتلة، حتى آخر سنتيمتر. لا دولة بدون القدس الشرقية كلها ولا دولة بدون غزة…”.
أما التقليصات الأمريكية في المساعدات لوكالة الغوث والسلطة الفلسطينية فلا تسهل عليه، وردا على ذلك يحطم أبو مازن مرة تلو الأخرى القواعد حيال حماس. ففي أذار الماضي أعلن رئيس السلطة عن تقليص مساعداته لحماس. وفي اللقاء الأخير مع الرئيس المصري السيسي، أوضح أبو مازن أنه سيتم قريبا وقف تحويل مساعداته المالية للقطاع بمبلغ 96 مليون دولار في الشهر، بل وطلب من مصر الحرص على ان تتوقف المساعدة القطرية لحماس. فأجيب بالسلب.
رافعة ضغط ناجعة
قبل نحو أسبوع أخرج أبو مازن رجال السلطة من معبر الحدود في رفح، المخرج الوحيد لسكان غزة. وكان موظفو السلطة قد أرسلوا إلى هناك في إطار ما وصف حتى وقت قصير مضى “بالمصالحة” بين السلطة وحماس. فسارعت حماس لإرسال رجالها إلى المعبر، ولكن لما كانت مصر غير مستعدة لوجود رجال حماس على المعبر، فقد أصبحت الحركة هناك باتجاه واحد، من مصر إلى غزة فقط وليس العكس.
والى جانب ذلك، شرعت أجهزة امن السلطة بحملة اعتقالات واسعة لنشطاء حماس، وبالتوازي قررت المحكمة العليا في السلطة حل المجلس التشريعي الفلسطيني الذي توجد لحماس أغلبية فيه. وكان المجلس انتخب في المرة الأخيرة قبل 13 سنة وهو غير فاعل منذ سنوات طويلة.
لا تجلس حماس مكتوفة الأيدي. فقد اعتقل رجالها نحو 400 ناشط من فتح في القطاع، وقام مجهولون بإحداث ضرر شديد لمكاتب تلفزيون السلطة في غزة. ويصف زعماؤها إغلاق معبر رفح – الإنجاز الأكبر لحماس في أعقاب مسيرات العودة العنيفة – بانه “تحطيم للقواعد”. وهم يوضحون بان هذه خطوة إلى الوراء ستستدعي العودة إلى تشديد الاحتجاج الشعبي والمظاهرات على الجدار.
عمليا، تبتز حماس إسرائيل كي تخلق ضغطا مضادا على أبو مازن. وردود الفعل العسكرية الإسرائيلية المحدودة – القصف من الجو لأهداف حماس غير المأهولة – ليست مؤثرة عليها حاليا. وشرح المؤرخ والباحث يوني بن مناحيم، هذا الأسبوع، بان معنى إعلان غزة كإقليم متمرد، كما يهدد رجال أبو مازن، كفيل بان يكون بعيد الأثر وبالغ المغزى.
يوضح بن مناحيم ان “إعلان السلطة عن غزة كإقليم متمرد سيجر وراءه وقفا لكل أنواع المساعدات للقطاع، رفع طلب للجامعة العربية وألام المتحدة للتعاطي مع حماس كمنظمة غير قانونية، تجميد أموال الحركة ومؤسساتها في البنوك الفلسطينية والعربية، مطالبة المؤسسات الاقتصادية والبنوك العاملة في القطاع بتركها فورا، وقف دفع الرواتب لموظفي السلطة وإخراجهم للتقاعد المبكر ووقف المساعدات المالية في مجالات الكهرباء والماء”، ناهيك عن “إغلاق مؤسسات حماس في الضفة، واعتقال نشطائها ومصادرة أملاكها هناك”. إذا ما تحقق السيناريو الذي يرسمه بن مناحيم ولا يبقى بمثابة تهديد فقط، فهذه لا تقل عن “حرب عالمية” تقودها السلطة وأبو مازن ضد حماس.
بسبب خطوات أولية فقط بهذه الروح ردت حماس على إسرائيل بالتصعيد. ومن شان خطوات أخرى من قبل أبو مازن في هذا الاتجاه ان تولد تصعيدا آخر. لقد أثبتت حماس بأنها لا تتردد في استخدام إسرائيل كرافعة ضغط على أبو مازن. بل ودعت قيادة مسيرات العودة أبو مازن إلى التراجع عن خطوة إخلاء الموظفين من معبر رفح وإعادة فتح المعبر الذي يشكل رئة لـ 2.3 مليون فلسطيني في القطاع، والا ستعود كل مظاهر الاحتجاج الشعبي وسيتفجر الوضع. وبالتوازي طرحت حماس مشروع حل وسط لمصر: ادارة المعبر من خلال لجنة تشارك فيها كل الفصائل. أما أبو مازن فيرفض هذا حاليا ويطالب بنقل كل صلاحيات الحكم في غزة إلى الحكومة في رام الله.
تؤثر الانتخابات في إسرائيل على “اللاعبين”. نتنياهو وحكومته غير معنيين بالتصعيد في الجنوب، ولكنهم يوضحون بانه إذا لم يكن مفر، فانهم لن يحتملوا إهانة أخرى مثل إطلاق 460 صاروخا على إسرائيل في تشرين الثاني الماضي. أما حماس نفسها فتفضل إعادة بناء نفسها ولهذا فان الهدوء هام لها. أبو مازن يحاول دفع الطرفين إلى مواجهة أخرى والاستفادة منها. أما مساهمة ترامب بتهدئة الساحة فتكمن في تأخير عرض صفقة القرن إلى ما بعد الانتخابات في إسرائيل كي لا يمس بنتنياهو وبفرص إعادة انتخابه.  يعيش أبو مازن في حالة “إما كل شيء أو لا شيء”، يهدد بالإعلان عن غزة كـ “إقليم متمرد”: “نتنياهو يدفع لحماس في غزة التي تنفذ العمليات في الضفة”. وحماس تهدد إذا لم يفتح معبر رفح “فكل شيء سيتفجر”.

التعليـــقات