رئيس التحرير: طلعت علوي

غول الفقر ينهش جيوب المواطنين في غزة

الخميس | 18/10/2018 - 09:38 صباحاً
غول الفقر ينهش جيوب المواطنين في غزة

 

يعاني شخص من كل اثنين في قطاع غزة من الفقر، ويصل معدل البطالة بين السكان الذين يغلب عليهم الشباب، إلى أكثر من 70%". كما أن الاقتصاد في غزة "في حالة انهيار شديد، إذ بلغ معدل النمو سالب - 6% في الربع الأول من عام 2018. أهالي قطاع غزة تحت خط الفقر المدقع يعتاشون على أقل من دولارين في اليوم الواحد، ومنهم أقل من ذلك.  الحصار الإسرائيلي وشح التمويل وإجراءات السلطة الفلسطينية المالية المفروضة على غزة،  كلها فاقمت من مستويات الفقر في غزة. كذلك تعمدت إسرائيل منذ عشرين عامًا ضرب القطاعات الصناعية والإنتاجية والزراعية في غزة، من خلال استهداف الأراضي الزراعية والورش والمصانع في الحروب والاجتياحات المتكررة.

عندما وصلت رسالة محمول نصية إلى خالد النجار (32 عامًا) تفيد باستلامه قسيمةً شرائيةً من أحد الجمعيات الخيرية في شمالي قطاع غزة، شعر كأن شيئًا "أعاد الروح" إلى جسده، المثقل بالهموم من كثرة التفكير في أمر تدبير قوت أطفاله الجوعى.

النجار الذي يُعيل أسرة مكوّنة من ثلاثة أطفال، أحدهم يُعاني من مرض عضال، يستذكر كيف "طار من الفرحة"، حينما وصلت إليه تلك الرسالة، وكان ذلك عشية حلول شهر رمضان الماضي، فقطع أكثر من 3 كيلو مترات من مكان سكنه في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة للوصول إلى "ترياق الحياة".

وحين استلم "القسيمة الشرائية" اضطر إلى بيع جزءٍ من محتواها لتوفير أُجرة الإياب، كما يقول لـ"آفاق البيئة والتنمية".

ومنذ ذلك التاريخ لم يحصل على أية مساعدة من أية جهة في حين أن التعب أرهق جسده من كثرة البحث عن عمل دون جدوى.

ويشتكي هذا الشاب الذي يعمل في مجال البناء، من كونه عاطلاً عن العمل بسبب تشديد الحصار الإسرائيلي، وتفاقم الأمر خلال الأشهر الأخيرة من ظروف بالغة السوء، حيث بات يعجز فيها عن تدبير متطلبات أطفاله خصوصًا طفله، الذي يحتاج إلى عناية طبية تكلّفه كل ما يقع من مال في جيبه على قلّته.

والنجار واحد من بين جيش من العاطلين عن العمل في قطاع غزة وباتوا عاجزين عن توفير لقمة العيش، مع مواصلة الحصار الإسرائيلي المفروض منذ 12 عامًا.

حصار وانتقام

وما زاد الطين بلّة -كما يقول مراقبون- الإجراءات المالية التي اتخذتها السلطة الفلسطينية في أبريل/نيسان من العام الماضي، ضد قطاع غزة الذي تحكمه حركة حماس.

وشملت هذه الإجراءات تقليص رواتب موظفي السلطة بغزة إلى النصف، بمقدار 30 مليون دولار شهريًا، فضلًا عن إحالة الآلاف منهم إلى التقاعد الإجباري.

وتبرر السلطة خطواتها تلك، بأنها ضرورية لإجبار حركة حماس على التنازل عن حكم القطاع وتسليمه لحكومة التوافق الوطني. بينما تصف حماس هذه الخطوات بالعقابية.

ويحتفل العالم يوم 17 أكتوبر من كل عام باليوم العالمي للقضاء على الفقر ومكافحته، وذلك بعد أن حددت الأمم المتحدة هذا اليوم للتصدي للفقر والقضاء عليه. وتأتي هذه المناسبة هذا العام مع صدور تقارير دولية تحذر من أن الاقتصاد في قطاع غزة "دخل مرحلة الانهيار".

وقال البنك الدولي في تقرير صدر في الربع الأخير من أيلول/سبتمبر الماضي: "إن الوضع الاقتصادي في قطاع غزة آخذ في الانهيار تحت وطأة حصار مستمر منذ عشر سنوات، وشح السيولة في الفترة الأخيرة، وذلك على نحو لم تعد معه تدفقات المعونة كافية لحفز النمو".

بؤس ما بعده بؤس

طه سمعان (35 عامًا)، يعيش في "سدّة" بالإيجار في بناية سكنية بأحد الأحياء الشرقية لمدينة غزة، اضطر أخيرًا إلى بيع جزء من مقتنيات بيته ومنها غرفة النوم، سعيًا لإعالة 5 من أطفاله يذهب ثلاثة منهم إلى المدارس الابتدائية.

ورغم أنه يعيش بما يصفها شقة أشبه بـ"القبر" حيث لا تدخلها أشعة الشمس وتبقى طوال اليوم في ظلام بسبب انقطاع الكهرباء، يقول إنه عاجز وللشهر السابع على التوالي عن توفير أجرتها البالغة 300 شيكل شهريًا.

ويعمل سمعان سائق أجرة يتقاسم ما يجمعه خلال عمله مع مالك السيارة. وبالكاد يتحصل على 20 شيكلًا طوال اليوم، كما يقول.

ويشير إلى أن الناس ما عادت تستقل "سيارات الخط" إلا لظروف قاهرة، وتفضل قطع نصف طريقها مشيًا مع زيادة الفقر بينهم.

وبناءً على ذلك، يقول إنه منذ نحو عام "بالكاد" يتدبر احتياجات أسرته من مأكل ومشرب، وفي مرات كثيرة يلجأ إلى إرسال زوجته لأهلها حتى يمكنها توفير طعام أطفاله، حسب إفادته.

ولا يدري كما يقول إن كان سيبيت لياليه القادمة في "خيمة على شاطئ البحر أم لا"، خشيةً من طلب صاحب البناية منه مغادرتها، في ظل تراكم الديون، بحسب تعبيره.

وعند مفترقات غزة الرئيسية؛ يتواجد الكثير من الباعة الأطفال والمتسولين ممن يجبرهم آباؤهم على ممارسة التسول لقاء تحصيل عدد من "الشواكل"، كما أفاد بعضهم للمجلة.

تقارير دولية ولكن!

وبحسب تقرير البنك الدولي، "يعاني شخص من كل اثنين من الفقر، ويصل معدل البطالة بين سكان قطاع غزة، الذين يغلب عليهم الشباب، إلى أكثر من 70%".

وأشار التقرير إلى أن الاقتصاد في غزة "في حالة انهيار شديد، إذ بلغ معدل النمو سالب - 6% في الربع الأول لعام 2018، والمؤشرات تنبئ بمزيد من التدهور منذ ذلك الحين".

وإن كان مدير عام الإدارة العامة للإرشاد والتنمية بوزارة الزراعة في غزة المهندس نزار الوحيدي عدّد جملة من الإنجازات التي قامت بها الوزارة في استثمار أراضي المحررات وتحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من المحاصيل، إلا أنه شدد على أن قدرة المواطن على شرائها تحول دون تمتعه بالاستفادة من خيرات البلاد.

وأشار الوحيدي، إلى أن غالبية السكان وبفعل ظروف الحصار وإجراءات السلطة المالية باتوا تحت خط الفقر، والفقر المدقع.

وقال إن أكثر أهل قطاع غزة تحت خط الفقر المدقع يعتاشون على أقل من دولارين في اليوم الواحد، ومنهم أقل من ذلك، منبهًا إلى أن ما تتعرض له وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين من تضييق مالي من جانب الإدارة الأمريكية يزيد من ضغوط الحياة ومرارتها في غزة.

الأمن الغذائي في خطر

ويقول رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار النائب في المجلس التشريعي بغزة، جمال الخضري: إن الأمن الغذائي والصحي والتعليمي لمليون لاجئ في قطاع غزة، مُهدد بفعل وقف المساعدات الأمريكية لوكالة الغوث الدولية (أونروا).

وذكر الخضري في تصريح صحفي، أن هؤلاء يعتمدون بشكل أساسي على المساعدات الإغاثية والإنسانية المُقدمة لهم.

وأضاف: في ظل الإجراءات والقرارات الأمريكية، فإن الأمن الغذائي والصحي والتعليمي، مُهددٌ ما ينذر بنكبة جديدة للاجئين في حال لم يتم تدارك هذا الواقع بشكل عاجل وسريع لتفاديه، وبالنظر للحالة غير المسبوقة في السوء والتدهور القائم أصلاً في كل مناحي الحياة الإنسانية والاقتصادية والتعليمية والصحية والزراعية.

من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي تيسير محيسن، إن الأوضاع السياسية والأمنية التي يعيشها قطاع غزة انعكست على أحوال المواطنين بشكل سلبي منتقدًا إدخال احتياجات المواطنين في آتون الخلافات السياسية بين رام الله وغزة.

وقال محيسن إن الحصار الإسرائيلي وشح التمويل وإجراءات السلطة المالية المفروضة على غزة منذ عام ونصف العام،  كلها فاقمت من مستويات الفقر في غزة.

قطاع زراعي وصناعي منهار

ونبه إلى أن إسرائيل تعمدت منذ عشرين عامًا ضرب القطاعات الصناعية والإنتاجية والزراعية في غزة من خلال استهداف الأراضي الزراعية والورش والمصانع في الحروب والاجتياحات المتكررة.

وذكر أن القطاع الزراعي خسر نصف مليار دولار في الحرب الأخيرة في عام 2014م، وحتى الآن لم يتم إعادة إصلاح ما قيمته خمسين مليون دولار.  وأضاف أن هذا القطاع يعني عمليًا أنه لم يتعافَ بعد مما أصابه، ولم يعد قادرًا على إعادة استيعاب آلاف الأيدي العاملة التي كان يشغلها.

كذلك نبه إلى أن قرابة 500 منشأة صناعية دُمرت في الحرب الأخيرة، وكانت تشغل آلاف العاملين، الذين هم الآن في عداد العاطلين عن العمل.

وذكر محيسن أن منع سلطات الاحتلال دخول مئات المواد اللازمة للصناعات بغزة بحجة قابلية استخدامها في أغراض عسكرية، حدّ أيضًا من القدرة الإنتاجية في القطاعين الزراعي والصناعي.

كذلك تطرق إلى أن السلطة برام الله تمتنع عن توفير وظائف جديدة لآلاف الخريجين والعمال بغزة منذ سنوات بحجة أنها لا تسيطر على غزة ، في ذات الوقت الذي تعجز فيه حماس عن إدارة شؤون القطاع وتوفير فرص عمل وتجد صعوبة في توفير رواتب موظفيها.

وبنظرة إلى الفقر من منظور غذائي، يشير محيسن أيضًا إلى أن البيئة شديدة الوطأة، فهذا الازدحام السكاني والبنية التحتية الضعيفة وملوحة المياه وتدفق مياه المجاري إلى البحر، كلها تضعف من البيئة وتفاقم أوجه الفقر التي تتعلق بقدرات الإنسان وصحته.

شفى كارثة

وأكد محيسن صحة التقارير المتكررة عن صعوبة الأوضاع الإنسانية بغزة وأنها غير مسبوقة، لذلك يشدد على أن غزة على شفى كارثة بكل المقاييس، مطالبًا بضرورة أن يكون هناك تدخل فوري وسريع لتدارك الأمور.

وأكد أن مؤشرات موت الفجأة وزيادة نسبة الأمراض السرطانية تؤشر إلى تردٍ في الأوضاع الإنسانية بغزة.  وذكر أن نسبة الناس الذين باتوا يعتاشون على المعونة الخارجية أضحت مرتفعة بشكل كبير، لافتًا إلى أن الكثير من الأسر اضطرت إلى بيع مقتنيات بيوتها لتوفير لقمة العيش لأولادها وأصبحت عاجزة عن توفير وجبات الطعام الرئيسية ليومها.

وانتقد ما وصلت إليه الأوضاع بغزة بسبب الخلافات السياسية بين غزة ورام الله متسائلًا عن السبب الذي يدفعه المواطنون من يومهم وصحتهم وقوت أبنائهم حتى يلحق بهم كل هذا "من القريب والبعيد"، بحسب تعبيره.

وحول تقرير البنك الدولي يقول إنه جاء ليؤكد المؤكد، مضيفًا أنه رغم كل أهداف وبرامج الأمم المتحدة لمحاربة الفقر، إلا أنه يزداد بنسب كبيرة في غزة -كما في بلدان أخرى-، مرجعًا ذلك إلى ما وصفه النظام الرأسمالي العالمي المتوحش.

ولفت في هذا السياق إلى أن 5% من سكان العالم يسيطرون على 80% من ثروات العالم، وهم قائمون في تحقيق أطماعهم على عدم العدالة والتوحش والاستغلال البشع.

ما العمل؟

ولمواجهة هذا الواقع العصيب، يشدد الوحيدي بدوره على ضرورة رفع الحصار الإسرائيلي وعدول السلطة عن خصومات الرواتب لموظفيها بغزة.

كذلك دعا المؤسسات الدولية إلى القيام بدورها المنوط بها في إغاثة الفقراء وخصوصًا وكالة الغوث رغم القرار الأمريكي بوقف تمويلها.

وأضاف أن الخروج من هذا الواقع يتطلب أيضًا توسيع مساحة الصيد في بحر قطاع غزة ليتمكن قرابة 4500 صياد من إعالة أسرهم.

كذلك شدد على ضرورة رفع القيود عن الحوالات المالية وبرامج خلق فرص العمل ولدينا من الكوادر ما يمكن الاستفادة منه.

بدوره، أكد محيسن أنه لا بد من "استراتيجيات تكيّف عادلة ومنصفة" تتصرف الأسر الفلسطينية بناءً عليها، كما تصرفت طوال السنوات الماضية لمواجهة الفقر وضنك العيش.

وفصّل أكثر بالقول إن تلك الأسر مدعوة لأن تستغل أقل الموارد المتاحة لديها، بحيث يكون أثرها السلبي قليلاً، مشبهًا هذا بأنه مثل "العلاج المر" يجب تجرعه حتى زوال المرض.

وشدد على أنه رغم أن الأزمة في غزة إنسانية لكن حلها سياسي بالدرجة الأولى من خلال ضرورة رفع الحصار الإسرائيلي وإبعادها عن الخلافات السياسية بين رام الله وغزة.  وحث السلطة على وجوب إنهاء إجراءات تقليص وقطع الرواتب والأدوية والعلاجات في الخارج.  كما دعا السلطات في غزة إلى وقف تحصيل الضرائب والرسوم من الناس البسطاء.

ورسم صورة قاتمة لمستقبل غزة القريب في حال عدم تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية قائلًا إنه "ذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن غزة ستشهد اياماً أسوأ مما هي عليه الآن من كوارث".

وبالعودة إلى رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار، فشدد على أهمية إقامة مشروعات تشغيلية في غزة للتخفيف من أزمة البطالة، التي وصلت بين الشباب إلى حوالي 62% "وهي نسبة مرعبة جداً".

 

©مركز معا

التعليـــقات