رئيس التحرير: طلعت علوي

التلذذ بتعطيش وتجويع غزة إلى أين؟

الثلاثاء | 28/08/2018 - 10:33 صباحاً
التلذذ بتعطيش وتجويع غزة إلى أين؟

جورج كرزم

"فَلْنُنَظِّف غزة من سكانها"، هكذا كان أحد الشعارات الاستراتيجية لمخطط الاحتلال الإسرائيلي غداة احتلاله قطاع غزة عام 1967، إلى جانب احتلال الضفة الغربية وسائر الأراضي العربية (سيناء، العريش وهضبة الجولان).  بعد مضي أشهر قليلة على انتهاء حرب حزيران 1967، ناقشت حكومة "ليفي أشكول" بضعة مخططات تتعلق بكيفية التعامل مع مئات آلاف العرب الذين أصبحوا تحت سيطرتها وبخاصة في غزة، الضفة الغربية والجليل (بحسب بروتوكولات لجنة الوزراء الإسرائيلية لشؤون الأمن عام 1967).

فيما يتعلق بقطاع غزة تحديدا، رسمت إسرائيل آنذاك مشروعا جهنميا لترحيل الأهالي قسرا.  "ليفي أشكول" اعتبر أن خنق وحبس أهالي غزة قد يرغمهم على الرحيل.  بل دعا "أشكول" إلى حرمان الغزيين من المياه، وعندئذ لن يبقى لهم خيار سوى الرحيل، وبخاصة "لدى اصفرار وجفاف البيارات والأراضي الزراعية" كما قال.  وقد احتفظت الحكومة الإسرائيلية أيضا بحلّ استراتيجي آخر لترحيل الغزيين، وذلك من خلال شن حرب إضافية، وبالتالي، وسط ضباب الحرب، يتم اقتلاع السكان هناك.  لكن، مهما كان الحل، "فيجب في كل الأحوال تفريغ غزة من سكانها أولا" أصر "ليفي أشكول".
من ناحيته، كان لوزير الحرب الإسرائيلي "موشي ديان" (عام 1967) تصور آخر بخصوص مستقبل قطاع غزة، لا يختلف في هدفه النهائي عن مخطط "ليفي أشكول".  فبحسب "ديان" بلغ عدد سكان قطاع غزة آنذاك نحو 400 ألف؛ وبالتالي تسمح إسرائيل لبقاء مائة ألف فقط، أما الباقي، والذين اعتبرهم "ديان" لاجئين، "فيجب اقتلاعهم بأي طريقة كانت"، و"توطينهم" في سيناء أو شرق الأردن.
مما ورد نجد أن ما تمارسه إسرائيل حاليا ضد قطاع غزة، من حيث شن حروب الإبادة المتتالية ضده، وحصاره وتجويعه وخنقه وتعطيشه وقطع الكهرباء عنه، وبالتالي إغراقه في بحر من المياه العادمة، ليس مستجدا أو مبتكرا؛ بل إنه استمرار لذات المشاريع الإسرائيلية الكولونيالية القديمة الجديدة الهادفة إلى تفريغ غزة من سكانها، أو إرغامها على نبذ المقاومة للمحتل؛ وبالتالي تمرير المخططات الصهيو-أميركية الجهنمية (مشروع ترامب مثلا).  وهذا ما يفسر هجرة الآلاف من أفضل الشرائح الشبابية والنخب الغزية المتعلمة ومن مختلف التخصصات العلمية والأكاديمية والطبية والهندسية؛ وذلك تحديدا خلال شهر واحد هو شهر رمضان الأخير، حينما فتح النظام المصري معبر رفح بشكل متواصل طيلة الشهر الفضيل؛ بينما خلال السنوات الماضية، لم يُفْتَح المعبر سوى بضع مرات قليلة سنويا ولساعات معدودة.
إذن، تعتبر المياه مسألة أمنية إستراتيجية من الدرجة الأولى، يستخدمها الاحتلال سلاحاً للتنكيل المنهجي والمنظم بالفلسطينيين والتلذذ بتعطيشهم وإذلالهم، بهدف تخليد تبعيتهم له، ليس فقط في لقمة عيشهم، بل أيضا في قطرة مياههم.  بمعنى أن سلاح التعطيش يستخدم لإخضاع الفلسطينيين وإرغامهم على الرضوخ للاحتلال ومشاريعه.  وفي هذا السياق، من المفيد التذكير بأنه أثناء حصار الجيش الإسرائيلي لبيروت عام 1982 نصح يتسحاق رابين زميله أريئيل شارون وزير الحرب الصهيوني آنذاك، بأن يبادر الأخير إلى قطع الماء والكهرباء عن بيروت الغربية وتعطيشها، بهدف إخضاع المقاومة الفلسطينية المحاصرة هناك.  وهكذا كان، إذ تم قطع الماء والكهرباء لبضعة أسابيع أثناء الحصار.
الأهداف الوحشية للمخطط الإسرائيلي التعطيشي والتجويعي لأهلنا في غزة شديدة السطوع، ويتحمل الاحتلال بالتالي المسؤولية الكبرى عن تدهور الوضع المائي الكارثي هناك، باعتباره المزود الرئيسي للمياه والكهرباء ويملك السيطرة المطلقة على المعابر البرية والمساحات البحرية؛  لكن الأمر الصادم والمؤلم، وبما لا يقل خطورة عن دور الاحتلال في تدهور الوضع المائي الكارثي في قطاع غزة، هو العجز الفلسطيني الرسمي في رام الله وغزة عن إدارة البنى التحتية القائمة؛ فالانقسام والخلاف بين سلطتي رام الله وغزة حول مراكز القوة والسيطرة في القطاع، يزيدان المشهد الإنساني تعقيدا وخطورة.  يضاف إلى ذلك الحصار المصري الرسمي اللئيم على القطاع، المتمثل أساسا بإغلاق معبر رفح معظم أيام السنة. 
الأزمة الكهربائية وبالتالي المائية الحالية في قطاع غزة تفاقمت بسبب تقليص كمية الكهرباء التي تزودها إسرائيل لقطاع غزة، إثر طلب السلطة الفلسطينية برام الله ذلك، بهدف الضغط على سلطة حماس و"معاقبتها"؛ وقد تجلى ذلك من خلال تخفيض سلطة رام الله لحجم الدفعات المالية التي تدفعها لإسرائيل مقابل تزويدها بالكهرباء، إضافة إلى الاقتصاص من رواتب الموظفين وتقليص كبير في تحويلات علاج المرضى.  وبالطبع، ملايين الأهالي البسطاء في قطاع غزة هم الذين يعانون من العطش والفقر الغذائي والمرض والجوع.

مدير وحدة الدراسات في مركز العمل التنموي/ معا

التعليـــقات