رئيس التحرير: طلعت علوي

الاسترليني مقبل على 3 أشهر عجاف .. والسبب ثبات سعر الفائدة دون تغيير

السبت | 19/08/2017 - 05:02 مساءاً
الاسترليني مقبل على 3 أشهر عجاف .. والسبب ثبات سعر الفائدة دون تغيير

في ظل التغيرات المتسارعة في سوق العملات الدولية، لا يبدو أن الأفق يحمل أخبارا إيجابية بالنسبة إلى العملة البريطانية، حيث إن أغلب التقديرات تشير إلى أن الاسترليني مقبل على فترة من الضعف والتراجع، خاصة في الأشهر الثلاثة المقبلة، وسط تكهنات غير يقينية بأنه قد يحقق بعد تلك الأشهر العجاف، انتعاشا طفيفا مقابل اليورو والدولار الأمريكي.


وبينما يلقي بعض المحللين الماليين بالمسؤولية على عاتق بنك إنجلترا، بإبقائه سعر الفائدة ثابتا دون تغيير، وخفضه لتوقعات النمو في العام الجاري والمقبل، ومواصلة معدل التضخم ارتفاعه، ما ترتب عليه تراجع سعر صرف الاسترليني وانخفاض العائد على السندات بدرجة كبيرة، فإن آخرين يرجحون أن المشكلة أكثر عمقا وتركيبا من مجرد قرارات اتخذتها لجنة السياسات النقدية في البنك.


ويرى هؤلاء أن الاقتصاد البريطاني يجب أن يستعد لفترة طويلة - تتجاوز الأشهر الثلاثة - يواجه فيها الاسترليني أوضاعا أفضل ما يمكن أن يقال عنها إنها متقلبة.
ويقول لـ "الاقتصادية" ستانلي بيل المحلل المالي في بورصة لندن "يبدو وضع الاسترليني متدهورا منذ التصويت لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من التحسن في مواجهة كل من اليورو والدولار الأمريكي في بعض الأسابيع، إلا أن الاتجاه العام لا يزال سلبيا".


ويؤكد بيل أن التقديرات الأخيرة التي أعلنها بنك "لويدز" بشأن مستقبل العملة البريطانية زادت الوضع سوءا، إذ تكهن بانخفاض قيمة الاسترليني في مواجهة العملات الدولية، وهو ما يكشف فقدان الثقة الدولية بالعملة البريطانية، وفي الحقيقية فإن الاسترليني يتراجع أمام اليورو بصورة أكبر من تراجعه أمام الدولار.
وأشار بيل إلى أن المؤشرات الاقتصادية في منطقة اليورو خاصة في ألمانيا أفضل من بريطانيا، ولذلك فإن أغلب التقديرات تؤكد أن سعر صرف اليورو والاسترليني سيتعادل لأول مرة بحلول العام المقبل، وذلك على الرغم من أن العملة البريطانية تاريخيا أقوى من اليورو.


وبالفعل فإن متوسط سعر الصرف بين اليورو والاسترليني منذ انحياز الناخب البريطاني لخيار الخروج من الاتحاد الأوروبي بلغ نحو 1.10 يورو لكل استرليني، بينما كان أدنى سعر صرف وصل إليه الاسترليني في مواجهة العملة الأوروبية الموحدة 1.09 وذلك عندما اندلعت الأزمة المالية عام 2008.
ويقدر تشارلز بلمر المختص الاستثماري تراجع قيمة العملة البريطانية في مواجهة الدولار بنحو 15 في المائة منذ استفتاء حزيران (يونيو) 2016، وبما يعادل 12 في المائة أمام اليورو خلال ذات الفترة.


ويشير لـ "الاقتصادية" إلى أن مستقبل العملة البريطانية سلبي للغاية، فهناك مجموعة من العوامل المتداخلة تؤدي إلى الجزم بمصداقية تلك التكهنات، حيث إن التوقعات بشأن النمو الاقتصادي لا تصب بأي حال من الأحوال في مصلحة الاسترليني، فمعدل النمو لهذا العام لن يتجاوز 1.7 في المائة في أفضل تقدير، وبالنسبة إلى العام المقبل لن تزيد على 1.9 في المائة، كما أن انخفاض معدل النمو يتزامن مع تقدير بنك إنجلترا بارتفاع معدل التضخم، وأنه سيتجاوز حدود 2 في المائة في شهر أكتوبر المقبل، وتلك التوقعات السلبية تترافق مع مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، التي يبدو فيها موقف المملكة المتحدة مليئا بالثغرات وجوانب الضعف.


ويذكر بلمر أن أغلب التحليلات تشير إلى انسحاب جزء من القطاع المصرفي من لندن مستقبلا، وتمركزه في مدينة فرانكفورت الألمانية، وهذا يعني أن الاقتصاد البريطاني سيفقد جزءا من قوة الدفع الاقتصادية التقليدية لديه وهي القطاع المصرفي.
ويعتقد بعض المختصين المصرفيين أن التكهنات المصرفية بشأن سعر صرف الاسترليني في الفترة المقبلة ستلعب دورا كبيرا في إضعاف إقبال المستثمرين على العملة البريطانية، ما يؤدي إلى مزيد من التدهور في قيمتها.


وتوضح لـ "الاقتصادية"، مارتن ويل الاستشاري المصرفي في مجموعة "نيت وايست" المصرفية أن طبيعة التقييمات السلبية للاسترليني تدفع بعديد من صغار المستثمرين، وكذلك من أصحاب المعاشات إلى التخلص من مدخراتهم بشكل عاجل وسريع عند معرفتهم بأن قيمة العملة البريطانية ستتراجع مستقبلا، وغالبا ما يتم تحويلها إلى اليورو أو الدولار وهذا يؤدي إلى زيادة الطلب على هاتين العملتين، بينما ينخفض سعر صرف الاسترليني لتراجع الطلب عليه، ويؤدي هذا الوضع إلى تدهور فعلي في قيمة العملة البريطانية.


ويضيف ويل "المشكلة الحقيقية ستظهر في الربع الأول من العام المقبل إذ يمكن أن يقيم اليورو بأعلى من الاسترليني، وإذا تواصل هذا الوضع خلال عام 2018، فإن الاقتصاد البريطاني سيواجه تحديا غير مسبوق، إذ يمكن أن نشهد انسحابا كبيرا للودائع المصرفية الأجنبية من المصارف البريطانية، وبطبيعة الحال لا يعني هذا هزة مصرفية، فالمصارف البريطانية في وضع مالي قوي، لكن ذلك سينعكس على الاقتصاد الكلي".


ويرى ويل أن المؤشرات السلبية تؤثر دون شك في دوافع وقرارات المستثمرين الدوليين وترسل رسالة إليهم بأن المملكة المتحدة بيئة غير ملائمة للاستثمار في الوقت الحالي، وهذا الأمر سيضعف قدرة بريطانيا على المساومة في مفاوضات الخروج الأوروبي، ويمكن أن نمر بحلقة مفرغة من التراجع الاقتصادي لبعض الوقت ويمكن أن تستمر ما بين ثلاثة إلى خمسة أعوام.
إلا أن الدكتورة سارة سميث أستاذة المالية العامة، تعتقد أن انخفاض قيمة الاسترليني والتزام الحكومة الصمت تجاه تراجع العملة المحلية، وعدم اتخاذها أي تدابير حقيقية لمواجهة هذا الانخفاض، سياسة متعمدة قد تسفر من وجهة نظر الحكومة عن تعديل الأوضاع الاقتصادية.


وتضيف لـ "الاقتصادية"، أن "الصراع داخل الأروقة الحكومية بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي لم يحسم بشكل قاطع ونهائي، على الرغم من التصريحات الحكومية بهذا الشأن، كما أنه لا شك أن تيارا واسعا من الاقتصاديين الحكوميين يرون في انخفاض العملة البريطانية عامل إزعاج في الأمد القصير، لكنه على الأمد الطويل يمكن أن يمثل السلم الذي يتسلق عليه الاقتصاد البريطاني بهدف الصعود إلى أعلى".


لكن إلي أي مدى ينعكس تراجع الاسترليني سلبا أم إيجابا على الاقتصاديات العربية؟ الدكتور هاجن كارنوال أستاذ النظم الاستثمارية يعتقد أن النتيجة النهائية لتأثير تراجع الاسترليني في الاقتصادات العربية ستكون مزيجا من المكاسب والخسائر.
ويوضح لـ "الاقتصادية" أنه يصعب الوصول في الوقت الحالي إلى نتيجة قاطعة بشأن حجم المكاسب التي ستحققها الاقتصادات العربية أو مقدار الخسائر التي ستمنى بها نتيجة تردي وضع العملة البريطانية، فالأمر يتوقف على معدل تراجع الاسترليني في الأساس، ولكن لا شك أن هناك بعض القطاعات العربية ستمنى بخسائر ملحوظة، فالاستثمارات المباشرة في بريطانيا ستنخفض قيمتها الإجمالية.


ويضيف كارنوال أنه على الرغم من ذلك يمكن أن نشهد إقبالا خليجيا على الاستثمار في بريطانيا، خاصة في قطاع العقارات، وذلك للانخفاض النسبي في قيمة الوحدات العقارية في المملكة المتحدة مقيمة بالعملة البريطانية، بينما سنلاحظ تراجع العوائد المحققة من الاستثمارات العربية في بريطانيا. ويذكر كارنوال أن هذا المشهد الذي يتضمن خليطا من الخسائر وفي الوقت ذاته عوامل للجذب الاستثماري، يترافق مع صورة مختلفة نسبيا في المجال التجاري، إذ يتوقع زيادة الصادرات البريطانية إلى المنطقة العربية، نتيجة انخفاض أسعارها مقارنة بنظيرتها من البلدان الأخرى، بينما ستتسم الواردات البريطانية من الأسواق العربية إما بالتراجع أو الثبات في أفضل تقدير، يضاف إلى ذلك أن المملكة المتحدة ستصبح أكثر جاذبية للسياح العرب مقارنة بمنطقة اليورو أو الولايات المتحدة.

 

aleqt.com

التعليـــقات