رئيس التحرير: طلعت علوي

دبلوماسية اقتصادية في «قمة العشرين»

الثلاثاء | 11/07/2017 - 05:58 صباحاً
دبلوماسية اقتصادية في «قمة العشرين»


محمد كركوتي

 


"أشعر بالرضا لأن مجموعة العشرين ـــ عدا الولايات المتحدة ـــ اتفقت على اتفاقية باريس للمناخ" أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية لا أحد كان يتوقع نتائج حاسمة أو تاريخية أو فارقة، لقمة مجموعة العشرين، التي انعقدت في ألمانيا. كما لا أحد كان ينتظر إزالة الخلافات أو تباين الموقف، ولا سيما بين الولايات المتحدة بإدارتها الحالية وعدد من بلدان المجموعة. المواقف واضحة لكل الأطراف، والأوضح أن أيا منها لا يرغب في التراجع عنها مستندا إلى أحقيتها من وجهة نظره بالطبع.

وهذا أيضا مفهوم ولكن ليس إلى حد أن بيان القمة الختامي خلا من أي موقف عملي واقعي، وأي قرار يمكن على الأقل أن يزيل عدم اليقين في الاقتصاد العالمي ككل، وبالتالي استمرار التخبط في صنع القرار الاقتصادي على الساحة الدولية، هذا إذا كان هناك قرار عالمي فاعل في هذه المرحلة. دون أن ننسى دائما، التأثيرات السلبية "بصور مختلفة" لبؤر الصراعات والمواجهات الموجودة فعلا هنا وهناك. أحب المسؤولون الغربيون قبل وبعد قمة مجموعة العشرين أن يؤطروا المشهد العام في خلاف بين بلدانهم وبين الولايات المتحدة في ظل الرئيس دونالد ترمب حول اتفاقية باريس للمناخ، وذلك لأن الأخير انسحب منها في أعقاب وصوله إلى البيت الأبيض.

ورغم أهمية هذا الخلاف وهو موجود بقوة بالفعل، إلا أنه يبقى ثانويا مقارنة بتضارب مفاهيم التجارة العالمية بين إدارة ترمب وبقية بلدان العالم، بمن فيها (بالطبع) الحلفاء التاريخيون للولايات المتحدة. تبعات انسحاب واشنطن من اتفاقية المناخ لا شك ستكون خطيرة ولها روابطها السلبية وتأثيراتها المستقبلية غير الإيجابية، لكن تبعات تطبيق المفهوم التجاري "الترمبي" على العلاقات مع العالم ستكون أخطر بكل المقاييس، لأنها ببساطة تقف عائقا أمام مبدأ التجارة الحرة، وهو ما تسعى إليه المنظومة الدولية بكل مستوياتها الاقتصادية، بل تعده الوسيلة الأنجع للتنمية في البلدان النامية.

ومن هنا يمكن فهم دعوة قمة المجموعة "إلى تجارة حرة ونزيهة"، وهذا توجه واضح المعالم، يهدف في الدرجة الأولى إلى استيعاب الموقف التجاري الأمريكي، وإطلاق صيغة مقبولة لكل الأطراف. من في هذا العالم لا يريد تجارة حرة ونزيهة؟ ولذلك يمكن النظر إلى هذا التوصيف في أعقاب قمة مجموعة العشرين، كنوع من المهادنة بين أكبر اقتصادات العالم، وبين اقتصاد الولايات المتحدة. وهذا الأمر بالتأكيد مطلوب في مثل هذه الظروف التي يمر بها العالم. لم تتحمل الساحة الدولية خلافا جديدا أو تفعيل خلاف قديم بصورة خطيرة أو معطلة. المهم الآن مواءمة المواقف بأكبر قدر ممكن، من أجل إبقاء الوضع على ما هو عليه. وهذا في حد ذاته انتصار للجميع. والحق، أن التفسير الأمريكي لفتح الأسواق ليس واقعيا.

حتى إن مسؤولين في إدارة الرئيس ترمب يعتقدون أن هذا التفسير اتجه إلى الجانب المتطرف من الطرح. خصوصا أن أحدا من شركاء وحلفاء الولايات المتحدة لم يعترض على الشعار "الترمبي" الذي لا يزال يتداول "أمريكا أولا"، لكن التباين حيال هذا الشعار، يكمن في الواقع في تطبيقه على العلاقات التجارية. ولا سيما بعد أن استهدفت الإدارة الأمريكية حتى حلفاءها التاريخيين تجاريا، من خلال تهديد ألمانيا (مثلا) بفرض عقوبات تجارية عليها لتخفيف تدفق السلع الألمانية إلى السوق الأمريكية، والأمر ينطبق على عدد آخر من البلدان، وبالطبع تتقدمها الصين. المطلوب بالنسبة لهؤلاء، أن تحتفظ الولايات المتحدة بحقها "أمريكا أولا"، ولكن عليها ألا تتسبب في أضرار لغيرها في مرحلة التطبيق. المشكلة هي في القيود التجارية التي قد لا تقتصر على الولايات المتحدة. بعض البلدان سيقوم بذلك كردة فعل طبيعية لفعل مماثل. ولذلك فإن اللغة الدبلوماسية التي خرج بها بيان قمة مجموعة العشرين، كانت ضرورية في هذا الوقت بالذات.

لأن العالم (مرة أخرى) لا يمكنه دخول حروب تجارية متواصلة أو متقطعة. "قمة العشرين"، التزمت بالطبع بكل المبادئ التي طرحتها على مدى سنوات عديدة. و"المجموعة" لا يمكنها إلا أن تتبع هذا السلوك لسبب واحد فقط، هو أنها اتخذت زمام المبادرة العالمية من انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008. ومثل هذا التجمع المهم المحوري عالميا لا يمكنه بأي شكل من الأشكال أن يطرح سياسات متناقضة، أو سياسات قابلة بسهولة للانفجار. أولئك الذين يؤيدون ويدعمون التجارة الحرة، يتمسكون بالحفاظ على مبادئ التجارة متعددة الأطراف المفتوحة والمتكافئة ذات المنفعة المتبادلة.

بمعنى آخر يصرخون تعبيرا عن تأييدهم لمعايير منظمة التجارة العالمية. وهي معايير أثبتت مع السنوات أنها تصب في المصلحة العامة العالمية، مع بعض التفاصيل السلبية التي يمكن احتواؤها. غير أن التبدلات السياسية على الساحة الأمريكية فرضت حالة جديدة، فيها من "الوطنية" الكثير، لكنها ليست متناغمة مع المتطلبات العالمية المشتركة. ولذلك لا تنفع معها إلا الدبلوماسية الهادئة والتعاون بالصورة الأكثر التزاما. وفي النهاية لا يمكن لمجموعة العشرين إلا أن تمضي قدما بأكبر قدر من الحكمة والواقعية. فمفتاح الاقتصاد العالمي يبقى في حوزتها، والمسؤولية الدولية عليها.. كبيرة.

التعليـــقات