رئيس التحرير: طلعت علوي

موقف ترامب من حرية التجارة مبني على معلومات خاطئة ؟

السبت | 24/12/2016 - 10:23 صباحاً
موقف ترامب من حرية التجارة مبني على معلومات خاطئة ؟

ذكاء مخلص الخالدي

 

أشارت أوساط في حملة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب أخيراً، إلى أن موقفه من حرية التجارة مع المكسيك وكندا والصين، لما سببته من خسائر مزعومة للوظائف في قطاع الصناعة التحويلية في الولايات المتحدة، بُني على معلومات خاطئة قدمها معهد السياسة الاقتصادية في واشنطن. ولفتت تلك الأوساط إلى أن الولايات المتحدة خسرت نحو ثلث وظائفها في قطاع الصناعة التحويلية منذ قيام اتفاق «نافتا» لتحرير التجارة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك في 1994 و50 ألف وظيفة منذ دخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية في 2001، ما أدى إلى تراجع الصناعة التحويلية وضمور الطبقة الوسطى.


لكن دراسة حديثة أعدها مركز الأعمال والبحوث الاقتصادية في جامعة بال في ولاية إنديانا، أظهرت أن 85 في المئة من خسارة الوظائف البالغة نحو 5.6 مليون وظيفة في الفترة 2000- 2011 كان سببها انتشار استخدام التقدم التكنولوجي، كالأتمتة والروبوت، فعلى رغم الانخفاض الحاد في وظائف المعامل، أصبح قطاع الصناعة التحويلية أكثر إنتاجية والإنتاج الصناعي في ارتفاع. وارتفع الرقم القياسي لإنتاج الصناعة التحويلية من 100 في 1980 إلى 250 في 2015، بينما انخفض الرقم القياسي للتوظيف من 100 إلى أكثر من 50 بقليل خلال الفترة ذاتها.


وحققت الصناعة التحويلية الأميركية هذه النتائج من خلال الانتشار السريع لاستعمال الروبوت والطباعة الثلاثية الأبعاد، فالفرق كبير بين كلفة اليد العاملة البشرية وعمل الروبوت، الأمر ما سيزيد استخدام الأخير في المستقبل، وهو اتجاه لا يمكن عكسه. ووجد مركز بحوث جامعة Ball أن حرية التجارة تسببت بخسارة 13 في المئة فقط من وظائف قطاع الصناعة التحويلية. لذلك، يتوقع باحثون أن إحدى أهداف الإدارة الأميركية الجديدة بزيادة حمائية التجارة من غير المتوقع لها أن تنافس قوى الأتمتة والاقتصاد الرقمي.


فمنذ تأسيس منظمة التجارة العالمية في 1995، أصبح قطاع الصناعة التحويلية أكثر قطاعات الاقتصاد الأميركي تنافسية، إذ ارتفعت إنتاجية العامل 2.5 مرة منذ 1987 في مقابل زيادة 1.7 مرة في بقية قطاعات الأعمال باستثناء الزراعة، بينما انخفضت كلفة العمل. وتنتج الصناعات التي تعمل للتصدير بمعدل 18 في المئة أكثر من الصناعات التي لا ترتبط بالتصدير بكثافة.


ويقبض الذين يعملون في الصناعات التي تعمل للتصدير 56 في المئة أكثر من الصناعات التي لا تعمل للتصدير. وتعتبر اتفاقات التجارة الحرة مهمة لفتح أسواق جديدة للسلع الأميركية، اذ ارتفعت صادرات الصناعات التحويلية لشركاء الولايات المتحدة التجاريين، مثل كندا والمكسيك وحتى الصين. وفي 2015 ذهب نصف صادرات الولايات المتحدة من منتجات الصناعة التحويلية إلى الدول التي ترتبط معها باتفاقات تجارة حرة، وتبلغ نحو 20 اتفاقاً من هذا النوع تربط الولايات المتحدة وبقية دول العالم.


ويعتبر قطاع الصناعة التحويلية في الولايات المتحدة اليوم في نهضة، وعاد كثير من المصانع التي انتقلت سابقاً إلى دول أخرى. وهناك استثمارات جديدة في هذا القطاع لكن لم ينعكس ذلك بالضرورة على عدد الوظائف. صحيح أن القطاع أضاف أكثر من 0.5 مليون وظيفة منذ العام 2009، فهو لا زال أقل بـ 800 ألف وظيفة عما كان عليه في 2008، وبـ 2.3 مليون وظيفة قبل عشر سنوات . وتنمو اليد العاملة اليوم في الولايات المتحدة بمعدل 2.4 في المئة سنوياً وهو معدل مقبول. لكن هناك أعداد متزايدة من العمال العاطلين من العمل هيكلياً لحاجتهم إلى الحصول على المهارة التي يتطلبها التقدم التكنولوجي في الصناعة التحويلية. فبسبب انتشار استخدام الروبوت والاقتصاد الرقمي، لم يعد سهلاً حصول العمال على تدريبات اعتيادية لتأهيلهم على كيفية التعامل مع التكنولوجيا الجديدة. فهناك فجوة متزايدة بين الحاجة إلى العمال الماهرين والعدد المتوافر منهم، وهو ما يطلق عليه «فجوة المهارة».


ولأن كثراً من العاملين في هذا القطاع أصبحوا عديمي الفائدة نتيجة قلة المهارة، ازداد الاستثمار في الآلات والماكينات التي تشغلها برمجيات العقل الإلكتروني والتي أصبحت بديلاً وليس مكملاً لعمل العمال في المصانع، ولم يعد حجم اليد العاملة في قطاع الصناعة التحويلية مؤشراً على صحة أو تعافي هذا القطاع كما كان الأمر سابقاً. وإذا أرادت الإدارة الأميركية الجديدة استخدام العدد ذاته من العمال لإنتاج السلع ذاتها التي كانت تنتجها سابقاً، فهذا يعني أنها ستخسر سباق الصناعة التحويلية.

التعليـــقات