رئيس التحرير: طلعت علوي

تأمين قطاع التأمين!

السبت | 15/10/2016 - 08:05 صباحاً
تأمين قطاع التأمين!

كتب رئيس التحرير...

 

 

تأمين من؟ وتأمين ماذا؟!... تاريخيا ومنذ وبعد زيادة المخاطر والكوارث الطبيعية وغير الطبيعية، لعب التأمين دورا هاما في تأمين الممتلكات للأفراد والمؤسسات. وزادت الحاجة إلى قطاع التأمين في عصر الشركات العابرة للقارات التي تنقل ملايين الأطنان من البضائع الى كل انحاء العالم.
وعلى الرغم من اعتبار السواد الأعظم من الناس ان فكرة أو مفهوم التأمين مرتبطة بتأمين المركبات، وهذا بحد ذاته يعكس الصورة النمطية التي يعاني منها قطاع التأمين في الوطن العربي عامة، وفلسطين خاصة.

هنا في فلسطين، يبدو أن قطاع التأمين نفسه بحاجة إلى تأمين! إذ تعد البنية التحتية والقانونية من أهم دعائم قطاع التأمين كي يعمل كما يجب، ويمثل مصالح الناس والمؤسسات الاقتصادية. الا ان التحديات التي نعيشها في فلسطين، جعلت من قطاع التأمين نفسه بحاجة إلى تأمين. فالبنية التحتية التي ورثناها عن الاحتلال ما زالت تعاني من خلل كبير إذ تعد من أهم التحديات التي نعاني منها من حيث كثرة الحوادث التي على الطرقات في الضفة وقطاع غزة، حيث تمتد شبكة الطرق في الضفة ل حوالي 12000 الف كم، وفي قطاع غزة حوالي 3000 كم، وقد تجاوز عدد الحوادث على شبكة الطرق 8000 الاف حادث خلال العام المنصرم 2015، أودت بحياة حوالي 100 شخص، وكان النصيب الأكبر لتلك الحوادث في محافظة رام الله والبيرة بواقع 22% من مجمل حوادث المرور.

وتزداد التحديات مع التقسيمات الجغرافية والسياسية للأرض الفلسطينية، فمن المعروف أن 60% من أراضي الضفة المحتلة، مصنفة بما يعرف بمناطق (ج)، والتي لا سلطة للسلطة عليها. هذا الأمر ترك الحبل على الغارب لولوج حوالي 200 ألف مركبة مشطوبة من إسرائيل إلى الريف الفلسطيني بأسعار تصل إلى 500 دولار للمركبة الواحدة. تلك الظاهرة التي أخذت بالانتشار خلال الأعوام الماضية، دون إجراءات رادعة، بسبب غياب الشرطة الفلسطينية جزئيا أو كليا في بعض المناطق، وغياب السياسات والقرارات الإدارية التي قد تحد من استخدام المركبات المشطوبة التي ساهمت بقتل 25% من حالات الوفيات بحوادث طرق خلال العام المنصرم، وما تبع ذلك أيضا من تعويض المصابين في حوادث الطرق من قبل الصندوق الفلسطيني لتعويض مصابي حوادث الطرق، الممول من جيب المواطن اصلا، اذ من المعروف أن 15% من قيمة أي بوليصة تأمين تقتطع لصالح الصندوق الذي يدفع 70% من موازنته لقضايا المركبات المشطوبة. اضف الى زيادة عدد المركبات المسجلة وغير المؤمنة الذي تجاوز الـ 80 ألف مركبة تسير على الطرقات بلا ترخيص او تأمين.

ومن المركبات إلى المنشآت التي يعمل بها حوالي 900 ألف عامل جلهم بلا تأمين ولنفس السبب الأصيل وهو غياب ثقافة التأمين عن السواد الأعظم من المؤسسات، إضافة لضعف وفقر في آليات تطبيق القوانين.  فعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي مدينتي رام الله والبيرة يعمل في قسم التفتيش التابع لمديرية العمل، اقل من 10 مفتشين! وبالعودة إلى تقرير وزارة العمل نفسه للعام 2014، يتبين أن وزارة العمل قامت بالتفتيش على اقل من 6% من المنشآت الخاضعة للتفتيش فقط!

وعلى الرغم من حوادث العمل التي تقع سنويا وعلى الرغم من أن الرقابة على المنشآت الصناعية والإنشائية التي تقع معظمها داخل المدن الفلسطينية، إلا ان السلطة التنفيذية تكتفي بالرد عند أي حوار أن المشكلة الحقيقية هي قلة عدد المفتشين في مديريات العمل. وهنا، هل لنا أن نقدم مقترحاً لوزارة العمل أن يتمثل بتطوير أنظمة إدارية لربط بعض الإجراءات القانونية لتلك المنشآت بمدى التزام تلك المنشآت بتأمين العمال حسب الأصول.  نعم، تستطيع وزارة العمل تطوير آليات الرقابة والتفتيش لتشمل التواصل مع المنشآت الصناعية والاتحادات والنقابات العمالية، وطلب تقديم تقارير سنوية أو فصلية عن عدد العمال العاملين وهل هم مؤمنون.

ومن البنية التحتية و المركبات المشطوبة والعمال، إلى القضاء وغياب قضاة متخصصون في قضايا التأمين. حيث تجاوزت قضايا التأمين المنظورة في المحاكم الفلسطينية ال 2500 قضية لم يتم البت بها. مما يؤدي إلى تعطيل للشركات والافراد وزيادة فترات النزاعات، التي ترهق المواطن والشركات على حد سواء، دون معالجات واقعية وجدية، لإنشاء محكمة مختصة بقضايا التأمين على غرار إنشاء محاكم لشؤون ضريبة الدخل والجمارك. ألا تقتضي مصالح الناس ونزاعاتهم القانونية، محكمة متخصصة بقضايا التأمين، تضع الأمور في نصابها وتساهم في البت السريع في قضايا التأمين! ووقف اهدار وقتنا وطاقاتنا وأموالنا في مراجعات وجلسات تمتد لسنوات، تصل بالعامل حد الإحباط!

في حالتنا الفلسطينية وفيما اذا ما تم توسعة القاعدة التأمينية في الخدمات المهنية والمنشآت الكبيرة والصغيرة، وتسريع البت في القضايا التأمينية لدى المحاكم، وتحسين البنية التحتية، واتخاذ التدابير الإدارية والميدانية اللازمة من قبل وزارة النقل والمواصلات ووزارة العمل، وتعزيز دور هيئة سوق رأس المال في الضغط والمتابعة مع الجهات الرسمية، لترسيخ مفهوم التأمين كواجب على المشغل وحق للعامل، ووقف المخالفات لقانون العمل وقانون المرور وغيرها من القوانين.

باتت الحاجة ملحة لتأمين قطاع التأمين، تأمينه بتطبيق القوانين والاجراءات الادارية، تأمينه بما يعود بالمصلحة على المواطن وعلى المؤسسات، ليكون مقوما أساسيا في دفع عجلة النمو الاقتصادي، وينسجم مع نظرة الدول المتحضرة التي توسعت لتصل إلى مفهوم أكثر شمولية لتحاكي البعد الاجتماعي كعامل امان للاسرة والافراد والمؤسسات.  فلمصلحة من: غياب المحاكم المتخصصة، ومركبات غير مؤمنة وغير مرخصة تسير على الطرقات، و آلاف العمال من أبنائنا يعملون بلا تأمين. والى متى سيبقى المواطن الملتزم يدفع فاتورة غير الملتزم بل والمستهتر بحياة الناس وممتلكاتهم؟!

التعليـــقات