رئيس التحرير: طلعت علوي

راتبك بالجنيه الفلسطيني !

الخميس | 05/05/2016 - 08:58 صباحاً
راتبك بالجنيه الفلسطيني !

"اعمل لسبع ساعات، لقاء يومية تبلغ 100 جنيه فلسطيني"، "نبيع كيلو البندورة هنا بعشر جنيهات فلسطينية"، هذه عبارات متخيلة، لا قيمة للرقم فيها امام رمزية الاسم، اسم العملة التي ربما تشعر الفلسطيني بسيادة، ولو منقوصة يحملها في جيبه. هذا ممكن بعقلية الخبراء لكنه في حالة المؤسسة الاقتصادية الرسمية يبدو بعيد المنال.

التصريحات التي خرجت مؤخرا من مستويات قيادية في السلطة، وأشارت الى توجه جدي نحو إيجاد عملة فلسطينية بديلة عن الشيكل الاسرائيلي، ووجود تنسيق بين الجهات الرئيسية الثلاث "سلطة النقد ووزارتي المالية والاقتصاد"، تقابلها مؤشرات وحقائق تبين بوضوح أنها مجرد تصريحات لا تعكس الواقع مطلقا.

يقول مدير عام السياسات الاقتصادية في وزارة الاقتصاد عزمي عبد الرحمن، إنه لا يوجد اي خطط تنفيذية للبدء بإجراءات استحداث العملة الفلسطينية قطعيا، وتصريحات السياسيين بهذا الصدد ليست الا حراك.

ويضيف: عملة من غير اسس اقتصادية بمثابة كارثة في مصف الانتحار.

ويرجع عبد الرحمن عدم وجود توجه لاصدار عملة الى غرق الاقتصاد الفلسطيني بالتبعية المطلقة لنظيره الاسرائيلي، والاعتماد المفرط على الشيكل، واستمرار السيطرة الاسرائيلية على المعابر والموارد والحدود الفلسطينية.

على خلاف ذلك، اكتفت سلطة النقد ببيان توضيحي لـ"رايــة"، رافضة الافصاح عن المزيد، جاء فيه أنها عملت على تهيئة معظم المتطلبات اللوجستية والفنية الداخلية كما وتستمر بالعمل على استكمال ما يلزم وفق الامكانيات المتاحة بشكل يؤهل لإصدار عملة وطنية وإدارة السياسة النقدية عند اتخاذ القرار السياسي بإصدار العملة.

وتشير في الوقت ذاته الى وجود ما اسمتها باختلالات في الوضع الفلسطيني اورثها الاحتلال للسلطة بحاجة إلى معالجة قبل الدخول في موضوع إصدار العملة.

ووفق الخبراء، فإن امر اصدار عملة وطنية ليس بالامر المستحيل، لكنه كذلك في الحالة الراهنة للمؤسسة الاقتصادية الفلسطينية.

ويرى الخبراء الاقتصاديون ان الجانب الاسرائيلي احد المعيقات، لكن الفشل الاكبر يقع على عاتق الجهات الثلاثة "سلطة النقد ووزارتي المالية والاقتصاد" لافتقادها الى خطة واستراتيجية موحدة، لها خياراتها وبدائلها.

يقول الخبير الاقتصادي طلعت علوي، "نحن نضع العصي في الدواليب قبل التفكير" في اشارة الى الحديث عن المعيقات الاسرائيلية.

ويبين انه حتى الان لا يوجد ورقة عمل شاملة تضم كافة جهات الاختصاص "المالية والنقد والاقتصاد"، حتى ان سيناريو إقرار قانون بنك مركزي وإحلال العملة الفلسطينية الوطنية بدلا عن العملة الاسرائيلية، غير مطروح لدى هذه الجهات.

عملة فلسطينية بدلا من الشيكل أو الى جانبه، يعني وقف اصدار قوانين برسوم تعتمد عملة الشيكل، اضافة الى استحداث بنك مركزي فلسطيني لترحيل اموال البنوك اليه، بدلا من ترحيل عملة الشيكل في البنوك الفلسطينية للبنوك الاسرائيلية.

هذا ممكن، ان توفرت الخطط المسبقة والموحدة فلسطينيا، يقول علوي، لكنه يحتاج الى تدابير واسعة جدا للتعامل مع دوران الاقتصاد الفلسطيني الحالي الذي يتجاوز 20 مليار شيكل.

وبمعزل عن الوضع السياسي، فإن عملية إحلال العملة تحتاج لخمس سنوات كي تصار الى التطبيق، كما يرى الخبراء.

وتقول سلطة النقد إن العملة الفلسطينية عند اصدارها يجب أن تكون منافسة للعملات المتداولة حالياً في فلسطين، إضافة إلى عامل الثقة لإضفاء صفة القبول العام عليها من قبل جمهور المواطنين.

وتنص اتفاقية باريس الاقتصادية في بندها 22 على انه يحق للجانب الفلسطيني استصدار عملة تخصه، كان ذلك قبل اكثر من 20 عاما، وحتى الان تفشل المؤسسة الاقتصادية الفلسطينية في ايجاد خطة لعملة فلسطينية قبل الحديث عن امكانية ولادة هذه العملة.

ويقول الخبير الاقتصادي د. ياسر شاهين ان الحديث عن عملة فلسطينية جاء بعد توجه القيادة وتوقيعها على 15 اتفاقية دولية.

ويرى شاهين ان استحداث عملة فلسطينية ممكن بشكل تدريجي، لا ينعكس بشكل جذري على الاستغناء عن الشيكل.

ولا يخفي الخبراء صعوبة استبدال عملة الشيكل، في ظل تغلغله بكل تفاصيل حياة المواطنين والمؤسسات الرسمية والخاصة.

إذ يحتاج ذلك الى استبدال 4 الاف رسم قانوني من اعتماد الشيكل الى "الجنيه الفلسطيني" ان سميناه كذلك، هذا غير الجباية والبيانات التي يفترض ان تستبدل كلها.

ويرى علوي ان السيناريو الاقرب للتطبيق هو عملة فلسطينية الى جانب الشيكل.

ويقول ان ذلك يتم بالبدء تدريجيا بادخال العملة الفلسطينية الى البيت ومن ثم للمدخرات والارصدة والودائع حتى الوصول للبنك المركزي وتعرفة المواصلات وكافة المجالات، دون اتخاذ قرار بمنع الشيكل لارتباطنا مع مليون و 800 الف فلسطيني في الداخل، و370 الف فلسطيني يعيشون في القدس ويستخدمون الشيكل الاسرائيلي، قسرا.

لكن السيناريو الاسوأ الذي قد يواجه العملة الوطنية هو ان تأخذ اسرائيل اجراءات مضادة، بطرق سهلة، فلا تحتاج إلا لإغلاق الحاجز امام مرور الاموال من الضفة للقطاع او من نابلس للبنك المركزي برام الله.

وهو الأمر الذي يفترض بالجانب الفلسطيني البحث عن بدائل واساليب جديدة لنقل الاموال.

يقول الخبير شاهين إن اقرار العملة أمر صعب دون وجود تفاهمات سياسية بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني.

وبحسب وزارة الاقتصاد، يخسر الفلسطينيون من 3.5-5 مليار دولار سنويا حسب التقارير المحلية والبنك الدولي، بسبب سيطرة "اسرائيل" على الموارد الفلسطينية كافة، الامر الذي يضعف القاعدة الاقتصادية القوية لاقرار العملة.

قبل عام تداولت مدرسة بلدة عجة في جنين العملة الفلسطينية، عندما قرر مديرها تداول "الجنيه الفلسطيني" بين مقصف المدرسة وطلابها، كان ذلك ليس الا محاولة تبدو افتراضية لزرع الخصوصية الوطنية في التلاميذ، لكن مؤسسات الدولة لا تزال تعجز عن ايجاد استراتيجية تحدد المسار القادم لعملة وطنية لشعبها.

©راية

التعليـــقات