رئيس التحرير: طلعت علوي

الجنات الضريبية... بمناسبة "أوراق بنما"

السبت | 16/04/2016 - 12:57 صباحاً
الجنات الضريبية... بمناسبة "أوراق بنما"

بقلم سمير سعيفان

لا تثير فضائح بنما قضية الجنات الضريبية والسرية المصرفية وحسب، بل تثير قضية الأنظمة الضريبية في العالم، بل ومجمل أنظمة وقواعد عمل اقتصاد السوق الرأسمالي الليبيرالي برمته. فالجنات الضريبية ليست أكثر من التعبير المتطرّف الذي يشير إلى القاعدة، وهي أن النظام المالي والنقدي والمصرفي مصمم لحماية أموال الأغنياء، بغض النظر عن مصدرها، كما أن أنظمة الاستثمار والأنظمة التجارية وأنظمة حماية الملكية الفكرية وغيرها جميعها مصممة لتعزيز قوة الأقوياء على حساب الضعفاء، سواء كانت دولاً ضعيفة أو مواطنين ضعفاء في الدول القوية.

ما تسمى الجنات الضريبية (Tax paradise) وتسمى أيضاً الملاذات الضريبية (tax haven) أو الواحات الضريبية (tax oases)، ليست دولاً في مجاهل أفريقيا أو دولاً "مارقة" بحسب التعبير الأميركي، أو أماكن سرية، بل هي دول أو جزر صغيرة أو كبيرة تتبع أحياناً لدول كبيرة، مثل بريطانيا العظمى أو غيرها. وإذا نظرنا إلى القائمة الطويلة للجنات الضريبية، نقرأ أسماء دولٍ، مثل بنما التي أصبحت شهيرة الآن، وجامايكا وباربادوس وجزر أندورا والباهاماس وبيليز وبيرمودا وتورك وكايكوس آيلاند، وكذلك أسماء دول في قلب أوروبا، مثل إيرلندا وسويسرا (الأكثر شهرة ونشاطاً) والدنمارك وموناكو وليختنشتاين ولوكسمبورغ والجزر العذراء البريطانية وجيرسي البريطانية وآيل أوف مان البريطانية وجزر الأنتيل الهولندية وجزيرة كايمان ودول ومدن أخرى، مثل كوستاريكا وبيروت وقبرص ودبي والبحرين وجبل طارق ومالطا وهونغ كونغ وسنغافورة وماليزيا. وليبيريا وأنغولا وغيرها، بل وتعد بعض الولايات في الولايات المتحدة جنات ضريبية. ويقدر عدد الملاذات الضريبية اليوم بأكثر من 50 منطقة، وتحضن قرابة عشرة ترليونات دولار أميركي من الأصول المالية، وفيها أكثر من 400 مؤسسة مصرفية ومسجل فيها نحو مليوني شركة.

وتقدم الجنات الضريبية خدماتها عبر أسلوبين رئيسيين: الأول، إيداع أموال وثروات فاسدة والتكتم عليها بدون فرض أية ضرائب. لذا، يلجأ إليها الفاسدون من الرؤساء وكبار المسؤولين لإيداع أموالهم وتأسيس شركات بأسمائهم أو أسماء أشخاص آخرين، يستخدمونهم واجهة، وثمة طرق ملتوية مختلفة، تعرفها مكاتب خبرة قانونية، تخدمهم لقاء مبالغ زهيدة. الثاني: تلجأ إليها الشركات الكبرى والصغرى، للتهرب من دفع الضرائب، فتسجل مقرها الرئيسي فيها شكلياً، بينما مقرها الفعلي في عاصمة كبرى، أو تشكل الشركات الكبرى شركاتٍ شقيقة في إحدى الملاذات الضريبية، وتمارس النشاط باسمها في دول وأسواق ومناطق، لا تفرض ضرائب مرتفعة، وبالتالي، تتهرب من دفع الضريبية، بحسب قانون الدولة التي تقيم فيها، وقد تكون بريطانيا أو أميركا أو ألمانيا أو طوكيو أو غيرها لا فرق.

"مجمل نظام اقتصاد السوق الليبرالي يحتاج لتوجه جديد، يعيد تصحيح الأنظمة الاقتصادية باتجاه أكثر عدالة وإنصافاً" عرفوا ثانيةً ما كانوا يعرفونه من قبل، فالجنات الضريبية والتهرب الضريبي هما في الواقع جزء من ممارسةٍ عاديةٍ ضمن نظام عالمي محكم، صممه ونفذه ويحميه الأقوياء المتحكمون بهذا العالم، من رجال مال ورجال سياسة في خدمة رجال المال. والطريف، في هذه الجنات الضريبية، أنها مخصّصة للأغنياء، لزيادة غناهم بتقديم الحماية لهم للتهرب من الضرائب وحماية للفاسدين وناهبي شعوبهم التي تزداد فقراً. وتعد الجنات الضريبية والنظام الضريبي العالمي برمته أحد الأسباب في زيادة التفاوت في الدخل بين الأفراد داخل كل مجتمعٍ من مجتمعات الأرض اليوم، إلى حد أن عشرةً من أغنياء العالم يملكون دخلاً سنوياً، قد يزيد عن الدخل السنوي لعشرة دول كاملة.

النظام الضريبي والنظام البنكي العالمي، بل ونظام اقتصاد السوق الليبرالي برمته، بات يعدّ جنة ضريبية واسعة تلف الكرة الأرضية، فمنذ مطلع الثمانينيات بدأت هجمة ليبرالية، مع صعود تاتشر إلى رئاسة مجلس وزراء بريطانيا، ومن بعدها تولي رونالد ريغان رئاسة الولايات المتحدة واتباعهما نهجاً ليبرالياً جديداً متطرفاً في انحيازه لرأس المال على حساب العمل، وقد نظّر لها منظرون كبار، مثل ميلتون فريدمان وفريدريش فون هايك وجون ويليامسون الذي سطر عام 1989 "الوصايا العشر" فيما يسمى توافق واشنطن. ومذاك، تم تنظيم حملة عالمية جُنِدَت لها إمكانات كبيرة لدفع الدولة نحو الوراء، وتقليص البرامج الاجتماعية، وتقليص تدخلها في السوق، ثقةً بأن السوق تنظم نفسها بنفسها عبر اليد الخفية لآدم سميث، وأن حكمة رجال الأعمال، وخصوصاً الشركات الكبرى العملاقة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي، هم على قدر المسؤولية وسيتصرفون بحكمة، ولن ينجرّوا وراء شهوة الربح.

مذاك التاريخ، بدأت موجة الخصخصة وبيع شركات القطاع العام وبيع ممتلكات وحقوقها للقطاع الخاص في مختلف الدول، ورافقها فساد واسع، خصوصاً في دول الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي السابق، حيث تم بيع القطاع العام الهائل بأثمان بخسة، وتم تحرير حركة رؤوس الأموال عبر العالم، وفتح أسواق الاستثمارات وأسواق المال، لتتمكن من الانتقال بمرونة بين مختلف بلدان العالم، وتم توحيد قواعد عمل المصارف باتباع ما تسمى قواعد بازل واحد وبازل 2 وبازل 3، وتم دفع تحرير التجارة إلى الأمام، وإقامة مناطق تجارة حرة كثيرة، وتحرير أسواق العمل وتقليص حماية العامل في مواجهته مع رب العمل، والتشدّد في تطبيق حقوق الملكية الفكرية، وغيرها من إجراءات تسهم في زيادة أرباح أصحاب الأعمال.

كما تم تقليص موازنات الدول وتخفيض قيمة عملات بلدانٍ كثيرة، بما يقلص القيمة الحقيقية للأجور، ويخفض تكاليف الإنتاج، بما يشجع التصدير ويحقق أرباحاً أكبر لرأس المال، كما تم الترويج لتعديل جوهري في أنظمة الضرائب، بحيث تم تخفيض الضرائب على الأرباح، أي دخول الفئات الغنية والغنية جداً تحت ذرائع تشجيع الاستثمار، وطغت على العالم موجة "سباق الإعفاءات الضريبية"، وتم تعويض إيرادات الضرائب المفقودة، بسبب التخفيضات بفرض ضريبة المبيعات وضريبة القيمة المضافة والمعروفة بالإنجليزية اختصاراً الفات (VAT)، وهي ضريبة يدفعها المواطن العادي لقاء مشترياته، إضافة إلى ما دفعه من ضرائب عن راتبه، وهي بالتعريف ضرائب غير عادلة، ومنحازة لصالح الأغنياء، فهم باختصار خفضوا ضرائب الأغنياء، وزادوا الضرائب على كاهل محدودي الدخل. ولم يكتفوا بهذا كله، بل وسَّعوا الجنات الضريبية، ووسعوا ما تسمى (شركات الأفشور Off shore)، ويقصد بها الشركات التي تؤسس نفسها قانونياً وصورياً في بلد محدّد أو جزيرة صغيرة، لكنها تمارس نشاطها الفعلي خارج حدود هذا البلد، فلا تخضع لأية ضرائب، وبالتالي، فهو برمته نظام تهرب ضريبي. ولكن، هذه المرة بمباركة قانونية.

يحتاج نظام الجنات الضريبية برمته إلى إلغاء، وكذلك السرية المصرفية، ولا أقصد بذلك إباحة حركة الحسابات المصرفية لكل من هب دب، ليطلع عليها. ولكن، يجب أن يكون الاطلاع عليها ممكناً للجهات الرقابية والضريبية وبقرارات المحاكم، وأن تفتح الحسابات بأسماء أصحابها الحقيقيين حصراً، وليس بأسماء وهمية أو بأرقام.

وقد بدأت الضغوط تتصاعد في أوروبا ضد هذه الملاذات، لكنها تحتاج حركة عالمية ضدها، لأن أصحاب المصلحة فيها أقوياء جداً، ولهم جمهور عريض في جميع البلدان. ومن جهة ثانية، يحتاج العالم لوضع قواعد عامة للأنظمة الضريبية، تلتزم بها الدول، بحيث تكون المعدلات الضريبية وأسس فرضها وجبايتها متقاربة.

ليست المسألة جنات ضريبية ونظاماً ضريبياً وحسب، بل إن مجمل نظام اقتصاد السوق الليبرالي يحتاج لتوجه جديد، يعيد تصحيح الأنظمة الاقتصادية باتجاه أكثر عدالة وإنصافاً، ولهذا حديث آخر. 

التعليـــقات