رئيس التحرير: طلعت علوي

الهبة الشعبية.. وجع الظلال والغضب المشتعل

السبت | 30/01/2016 - 09:11 صباحاً
الهبة الشعبية.. وجع الظلال والغضب المشتعل

عندما يقوم الطفل الفلسطيني بتكفين أخيه الرضيع!
 

بثينة حمدان

 


تتفوق الحكايات على الحصيلة العددية لشهداء الهبة الشعبية الذين فاقوا المئة عدا آلاف الجرحى والأسرى، ملايين القصص والمواقف مع دخول الهبة شهرها الرابع. تخيل ايها القارئ أن مواجهات يومية مع جنود الاحتلال تقع قرب بيتك..كيف ستكون حياتك؟ تخيل واقع العائلات الفلسطينية التي تلامسها شظايا عنف الاحتلال الاسرائيلي وجنونه. 
القبس تجولت بين ظلال الهبة فكانت أقسى وأشد حرارة من نارها. في كواليسها.. بيت الجيران الذي اخترقه الرصاص، أطفال يحاولون النوم، بائع البنزين أغلق محطته مؤقتاً، و«حبشي» يحاول مساعدة أطفال يعيشون قرب خط المواجهة، والطفلان: سامي(13 عاماً) يستعد.. وعبد الرحمن(5 سنوات) يكفن أخاه الرضيع!

«حبشي» في مخيم عايدة
الشاب محمد يوسف، سنة ثانية علم اجتماع في جامعة بيت لحم، معروف باسم «حبشي»، فالحبشة كانت مأوى للمسلمين مراراً في معركتهم لنشر الاسلام.


محمد حبشي في صفاته وأعماله وحياته.. يعيش على خط النار في مخيم عايدة، في مبنى من أربعة طوابق له ولإخوته وعائلاتهم وعددهم خمسون بين كبار وأطفال، ما ان تبدأ المواجهات بين الاحتلال والفلسطينيين حتى تتحول عمارة العائلة إلى فوضى ينتقل فيها الجميع إلى أكثر الأماكن أماناً بعيداً عن نيران الاحتلال المباشرة. يتجمع خصوصا الأطفال في منزل الجد والجدة، فيما يشارك الكبار في نشاطات المخيم.

المياه العادمة والغاز المسيل
تحدث حبشي لـ القبس فقال: «لا يكتفي الجيش بالمواجهات على حدود المخيم، إلا أنه يقتحمه ويرش المياه العادمة التي تبقى رائحتها لأسابيع، ويرش الغاز المسيل بشكل يومي».
حبشي ناشط أيضاً في مركز شباب عايدة والذي يقوم بفعاليات ترفيهية للأطفال، لكنها تلغى فجأة بسبب أحداث المخيم، كما يقدم المركز خدمات الارشاد النفسي للأطفال الذين يلاحظ على سلوكهم العنف وعدم الاستقرار. وأضاف أن الجيش يقتحم المخيم في وقت افتتاح دوام المدرسة المحاذية للمخيم فيضطر الأهالي إلى مساعدة الأطفال على العودة إلى منازلهم بأمان!

سامي.. هل يعود؟
حين اعود وعائلتي عصراً إلى البيت يكون سامي ( 13 عاماً) فوق هذه التلة، يحمل مقلاعه ويتدرب على رمي الحجارة لتصل أبعد مسافة ممكنة وإلى الهدف الذي يبتغيه.

أنهى دروسه فور عودته من المدرسة ليُسمح له بالنزول إلى الحارة، لا يعرف والداه ما يحمل في جعبته فقد خبأ المقلاع خارج المنزل. سامي يستعد للذهاب إلى المواجهات ليقذف جنود الاحتلال الاسرائيلي بالحجارة، الجنود الذين يسببون برأيه،الموت لأبناء شعبه. سامي قد يخرج يوماً إلى الحارة ولا يعود، قد يصاب أو يستشهد، وقد يرمي الجنود الاسرائيليون سكيناً قرب جسده ثم يقولون: عملية طعن جندي اسرائيلي!

تراجيديا الطفولة
مولود جديد في عائلة زميلي حسام هو الخامس، وحين بدأت الهبة كانت قد مرت أربعة شهور على حضوره الآخاذ، فهو آخر العنقود حتى اللحظة، فقد يتغير السيناريو مع حسام، الذي عاش بين سبعة عشر أخاً وأختاً، وقد يرغب بسادس.. وقد ألقت الهبة الشعبية الفلسطينية بظلالها على عبدالرحمن (خمس سنوات)، وهو قد تأثر بشكل ما بالأحاديث السياسية التي تدور في المنزل والصور المعروضة على شاشات التلفاز. وفي يوم من الأيام نادى عبدالرحمن والده حسام، ليشاهد كيف لف أخاه الرضيع آدم بالعلم الفلسطيني، وقال: أخوي شهيد!
لكن آدم حيّ يلمع في أروقة البيت حضوراً وطفولة، التي لا نعرف كيف سيكون شكلها تحت الاحتلال.

المواجهات في ميزان الربح والخسارة
نقف في أحد شوارع رام الله الرئيسية، الذي يطلق عليه شارع نابلس.

هنا إلى اليمين شركة فلسطينية لصناعة الأدوية، وإلى اليسار سلطة النقد، التي تعمل بمنزلة بنك مركزي، لكنها لم تتحول بعد إلى بنك مركزي، وفي نهايته مفرق يؤدي يمينه إلى مقر الإدارة المدنية الاحتلالية، التي يحصل منها المواطنون الفلسطينيون على تصاريح عمل وصلاة وزيارة إلى مناطق داخل اراضي الـ1948، وقد توقفت معظم هذه التصاريح مع قيام الهبة ضد الاحتلال في ارجاء الضفة الغربية.

وإلى اليسار فندق ومحطة بنزين. المحطة لم تعد تعمل في النهار، وخلال فترة المواجهات بين الشبان والشابات وجنود الاحتلال، بل وغطت متجرها الزجاجي بواجهة من الألمنيوم لحمايته. أما الفندق فبالتأكيد لم يعد مطلوباً من النزلاء، نظراً لخطورة موقعه، وكان صاحب الفندق منذ سنوات قد افتتح فرعاً له في حي آخر أكثر أماناً.

عُدي وريماس والنوم!
تعيش حنان وزوجها وابناهما عُدي( 6 سنوات) وريماس (4 سنوات) قرب المواجهات في حي البالوع، قرب ذلك الفندق ومحطة البنزين «المغضوب عليهما» مكانياً. هي ربة منزل تقطن في الطابق الأول، ترمي للشبان البصل ليساعدهم على مواجهة الغاز المسيل للدموع. تغلق وقت المواجهات النوافذ والأباجورات، ومع ذلك تنفذ رائحة الغاز إلى أجواء البيت، وأصبحت تعاني ريماس من حساسية في رئتيها بسبب الغاز.
تقوم حنان بتشغيل التلفاز ورفع صوته كثيراً، لكن صوت الرصاص يخترق آذان صغيريها، ويعيشون الرعب، أحياناً تخرج من المنزل وقت المواجهات، وأحياناً تخرج ابنها من مدرسته مبكراً مع اشتداد المواجهات. من الصعب على حنان أن تبقى خارج بيتها يومياً بسبب المواجهات، فتتخذ قراراً بالبقاء، وفي إحدى المرات فتحت النافذة وجعلت ابنيها يشاهدان كيف هرب الجنود المدججون بالسلاح من الشبان العزّل، وقالت لهما: «علينا أن نكون أقوى منهم».
لكن الأمر ليس سهلاً، فقد داهمهم الخوف في نومهم وكثيراً ما يستيقظون فزعين من كوابيسهم. اليوم وقد انتقلت المواجهات الى أماكن أخرى في رام الله، فان فزعهم أثناء نومهم مستمر على أصوات اطلاق نار «وهمية». ومن أبرز المشاهد التي لا تنساها حنان، حين دهست سيارة جيب الاحتلال شابا فلسطينيا، ومشهد شاب ضرب جنديا ثم رقص وضحك لأنه أصابه، ومشهد الخوف في عيون الجنود من شبان يلاحقونهم بحجارة لا تقتل جسداً لكنها تفتك بما يرتدونه من واقي الرصاص وبالرسالة العسكرية التي تجرعوها خلال فترة تجنيدهم!
خوف الكبار.. ليس عيباً
لا يذكر الكثيرون ممن هم في عمر 13 وحتى 21 سنة أنهم شعروا بالخوف، فهذه السن لا تعرف سوى المواجهة ولا تحسب خطواتها، تعيش اللحظة بحلوها ومرها، تقودها المشاعر في الغالب على اثير ضجيج الطلاب وحماستهم. لكن بعد تجاوز هذه السن وتكوين عائلة يختلف الأمر.

أعترف أنني أصبحت أكثر قلقاً بسبب وجود طفلين في حياتي: يوسف (عامان) وسلمى (5 سنوات). استيقظت في الثالثة صباحاً على صوت جندي اسرائيلي يقول: «روح يا ابن الـ.....»؟ شعرت من صوته أنه قريب من البيت يلاحق أحدهم. استمر الرعب وقنابل الصوت والرصاص وقنابل الغاز حتى موعد صلاة الفجر.
استيقظ كل الحي الذي نسكنه في بلدة بيتونيا في رام الله، سمعنا أصوات التكسير والذي تبين أنها عملية اقتحام لاحد المنازل وحملة اعتقالات. رد بعض الشبان الغاضبين بالحجارة فاشتدت المواجهة. بدأنا نستنشق في البيت رائحة الغاز، تفقدت سلمى ويوسف مئة مرة، وأغلقت النوافذ، وكان بودي أن اقرأ كل آيات القرآن الكريم مطالبة بحماية ملاكين يرقدان بسلام. وقفت في عتمة البيت وتساءلت: ماذا لو وصل الجنود الى هنا كما يفعلون كثيراً؟ كيف يصدقني ابنائي فيما بعد بأنني أستطيع حمايتهم؟!
في اليوم التالي غنت لي سلمى أغنية عن معاناة أطفال الحروب فتمنيت ألا تفهم يوماً أنها تغني عن نفسها، وأن يزول الاحتلال قبل أن تعي أنها تعيش تحت الاحتلال.. لكنني ناقضت نفسي حين دخلنا أحد المتاجر وذكرتها بضرورة عدم شراء بضاعة اسرائيلية لأن المحتلين هم الذين أغلقوا الحاجز في ذلك اليوم ومنعونا من الذهاب في رحلة!

 

القبس 

التعليـــقات