رئيس التحرير: طلعت علوي

المواطن بائع بسطة أو تاجر جشع!

السبت | 07/11/2015 - 07:56 صباحاً
المواطن بائع بسطة أو تاجر جشع!

 

محمد المزيني 

 

 

ليس فاعل خير عادياً، بل رجل أعمال يؤثث بسطة لأم نايف، فعل عظيم يشكر عليه وتشكر أيضاً القناة التي قامت بتغطية الحدث الجليل، رأفة بهذه السيدة العصامية.
بقدر ما تثير هذه الرسالة الشفقة على حال أم نايف والإعجاب بكفاحها، إلا أنها تجسد واقعاً بائساً لرجال الأعمال السعوديين، فهل سيحذون حذو رجل الأعمال هذا، ويبادرون إلى أشباه أم نايف من أولئك النساء المكافحات اللاتي يمتهن البيع في الأسواق والممرات العامة.


السؤال الأهم هو، هل هذا هو الدور الحقيقي لبعض رجال الأعمال، الذين لا يجيدون أكثر من بناء المساجد وتأثيثها لما تمثله من سهولة وديمومة في تحصيل الأجر السريع المضمون من دون عناء، لأن حسبتهم التجارية الدقيقة لعدد الحسنات التي سيحصلون عليها من وراء هذه المساجد عظيمة، وهي تكاد تكون سياسة تجارية برغماتية، لأنهم لن يجدوا استثماراً دينياً مربحاً ومريحاً كبناء المساجد، ولا مانع أن تلحق به مغسلة أموات مجهزة بكل شيء ولسان حالهم يقول: «عمارة المسجد كافية لدخول الجنة، تدفع مرة واحدة في العمر وتظل طوال العمر»، ولا ينسون أن ينقشوا أسماءهم بخط عريض فوق بواباته الرئيسة، كي ينالوا الدعوات أحياء وأموات؟


أما المشاريع الإنسانية الأخرى كبناء المستشفيات والمدارس والجامعات الخيرية التي تحتاج إلى متابعة وجهد وصرف دائم فلا تحظى لديهم بالقبول، لكلفتها وديمومة متطلباتها، وأعتقد أن رجال الأعمال السعوديين الذين أثروا من مشاريع البلد ومواطنيه، من خلال سوق مفتوحة بلا ضرائب، وتسهيلات لن يجدوا مثلها في أي بلد واحتكارات تمنح لهم دون غيرهم، قد استمرأوا الأخذ بلا عطاء.


أعتقد أنهم بعد أم نايف سيجدون وسيلة أخرى لإلقاء ما في رقابهم من مسؤوليات تجاه الفقراء والمحتاجين، خصوصاً متى حفت بتغطية إعلامية، هذا ينطبق على رجال الأعمال الصالحين طبعاً، أما الحيتان الكبيرة والهوامير منهم الذين لم ينتفع المواطن منهم بشيء، فهم حالات ميؤوس منها ما لم تفرض عليهم ضرائب قسرية عدا الزكاة التي يتحايلون عليها وبكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة للتهرب منها، تلك التي لو ضبطت جيداً وأخذت منهم بالقسطاس المستقيم فلن تجد جائعاً أو محتاجاً يدب على هذه البسيطة.


لو وعى هؤلاء جيداً قيم دينهم لما سبقهم غيرهم من أغنياء العالم إلى أبواب الخير كبيل غييتس وغيره، ممن تبرعوا بحصص كبيرة من ثرواتهم في سبيل الإنسانية.
أكاد أشك أن المتبرعين من أغنيائنا ورجال أعمالنا على قلتهم لا يتبرعون من أجل الإنسان ولا حتى من أجل الله، بل من أجل أنفسهم، لأنهم لو استشعروا الله في أرواحهم لما انصاعوا لطغيان رغباتهم من دون الآخر، فالإنسان المُستغل يقع في آخر اهتماماتهم هذا متى كان أصلاً موجوداً.


اختفاء آثار رجال الأعمال الحميدة عن واجهة الوطن والمواطنين أحدث هوة واسعة. أنانية بعض رجال الأعمال وانغلاقهم على أنفسهم الجشعة والمتطلبة أوجد هذا التخبط على مستوى الإدارة المحكمة، فانسحابهم عن مؤسسات الدولة وامتناعهم عن إيجاد صيغ مشاركة تدفع من عجلة التنمية، وتطور من آلية العمل الإداري الذي يتقنه القطاع الخاص أكثر من القطاع العام أوجد أزمة حقيقية، كما أضعف من قدرات إدارات الدولة في حل أزمة البطالة وتضخمها بشكل مضطرد ونحن نعلم أن مشاريع الدولة الكبرى تصب غالباً في حسابات هذه الشركات العملاقة المملوكة لعائلات وأبناء الذوات، المواطن هو المستفيد الأخير منها، لأنه في نظر كثير من هذه الشركات غير مبارك ولا مرغوب لأسباب واهية، والحقيقة المرة هي أن المواطن لا يستحق منهم أدنى مراحل الاهتمام، ويستحق أن يرى عالة على غيره عاجزاً عن إدارة شؤونه بنفسه.


شيء من الشماتة الفوقية التي تعزز من قيمة وجود الأغنياء فوق رؤوس الفقراء، واشتغال الدولة بملاحقة متطلبات المواطن من مسكن ومعيشة، أكاد أجزم بأن المنتفع الوحيد هم رجال الأعمال أصحاب الشركات الكبرى التي تقف لكل هذه الجهود بالمرصاد، من خلال رفع أسعار السلع الاستهلاكية والمغالاة بأثمان الأراضي التي استحوذ عليها في وقت ما ثلة من الناس بـ«أبخس الأثمان»، وتمادوا في مضاعفة أثمانها في بلد ثلاثة أرباعه يابسة، حتى أصبح المواطن متوسط الدخل لا يستطيع الحصول على سكن يؤويه، فظل رهين الحاجة والانكسار.


ففي وطنه الذي تشكلت سحنته بتضاريسه، ولديها شهادة انتماء تمتد إلى مئات السنين، يقع رهينة مواطنين خانوا انتماءهم الحقيقي لوطنهم، فعطلوا بذلك مشاريع الحكومة المسكونة بالنوايا الحسنة للمواطنين، وإلا ماذا يعني أن يعلن أحدهم عزمه بيع ملايين الأمتار من أراضيه البيضاء في مثل هذا الوقت الذي تزمع فيه الدولة فرض رسوم على الأراضي البيضاء بمساحات معينة، المعنى هو الإصرار على بقاء المواطن عاجزاً عن تملك سكن، فتقسيم مثل هذه المساحات الهائلة بالبيع، سيحررها لاحقاً من كماشة الرسوم المفروضة، وتبدأ لعبة تدوير الأراضي بين التجار، كي لا تصل إلى المواطن الغلبان، الذي يكفيه منهم أن يبنى له مسجداً ومغسلة أموات يغسل فيها ويكفن متى مات قهراً! وحتى أجره سيذهب إلى رجل الأعمال المبجل، فليس من حق المواطن أو المواطنة سوى تمثيل دور أم نايف بائع بسطة «وبس» على الطريق العام، وسيتفضل عليهم بالمعونة.

 

© alhayat.com

التعليـــقات