رئيس التحرير: طلعت علوي

العرب باتوا "الحيطة الواطية" في الشرق الأوسط

السبت | 08/08/2015 - 03:49 مساءاً
العرب باتوا "الحيطة الواطية" في الشرق الأوسط

محمد خضر قرش – القدس

 

 

 

 


استمعت وشاهدت باهتمام بالغ، كما فعل الكثيرين غيري من المثقفين والسياسيين والكتاب والمواطنين العرب، إلى ما قاله الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطابه يوم الأربعاء بالجامعة الأميركية في واشنطن الموافق للخامس من آب الجاري. وقد تمحور كل الخطاب للدفاع عن الاتفاقية التي وقعتها إيران مع الدول الخمسة الكبرى زائدا ألمانيا. وهذا المقال لا يهدف لتحليل الخطاب أو تبيان حيثياته وأسبابه المباشرة بما فيه الدوافع التي أملت عليه أن يقف بمدرج الجامعة في واشنطن للتحذير من مخاطر عدم التصديق على الاتفاقية من قبل الكونغرس. وقد سبق للرئيس جون كنيدي أن خاطب شعبه من نفس المكان عند التوقيع على اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية والقيود المشتركة بين الدولتين العظميين في ذلك الوقت على إثر أزمة الصواريخ الكوبية .

فقد أراد أن يسوق الاتفاق على الشعب والمؤسسات الدستورية الأميركية مستفيدا من الآثار النفسية والمعنوية للمكان في محاولة منه لاستحضار التاريخ والذاكرة ولتبيان أهمية الحدث، لعله يتمكن من دحض وحصار العناصر الأكثر دموية وعدوانية في الجناح الصهيوني في الحزب الجمهوري والذي يملك الأغلبية في الكونغرس .بداية لا بد من القول بان الاتفاقية التي تم توقيعها  مع إيران سيتم إقرارها والمصادقة عليها لأنها باتت إحدى متطلبات وأسس الأمن القومي والمصالح العليا للولايات الأميركية.

ولا عبرة هنا لصراخ الطفل نتنياهو فهو يعلم قبل غيره أن الاتفاق سيصادق عليه بأغلبية جيدة أو باستخدام الفيتو الرئاسي وسيدخل حيز التنفيذ ويطبق ـ لكن كل ما يريده هو تعلية أو رفع المزايا والمكاسب التي سيحصل عليها مقابل مصادقة الكونغرس ليجد لنفسه المبرر للنزول من أعلى الشجرة ويوقف صراخه. ويذكرني هذا بموقف مماثل حينما وقعت إسرائيل برئاسة مناحيم بيغن اتفاقية الانسحاب من سيناء حيث كان غرضه من المماطلة هو الحصول على أسلحة جديدة مقابل المخاطر التي أقدمت عليها إسرائيل حسب قوله أو ادعائه، بتوقيعها على اتفاقية كامب ديفيد بما فيها هدم مستوطنة "يميت" والانسحاب حتى آخر سنتمتر من أرض سيناء ضمن قيود معينة معروفة لنا جميعا بما فيها قيام الولايات المتحدة الأميركية ببناء قواعد ومطارات عسكرية جديدة في صحراء النقب. وسوف يبلع الطفل نتنياهو الاتفاق ويكف عن الصراخ والعياط والتشويش الذي يقوم به حاليا ، بعد أن يحصل على الثمن والامتيازات العسكرية والإستراتيجية. فأميركا دائما جاهزة لدفعها ليس استجابة لصراخ نتنياهو وإنما لكونها تخدم المصالح والأمن القومي الأميركي .

وفي الحقيقة فان هذا الموضوع (بكاء وصراخ نتنياهو) ليس له قيمة أو تأثير على مجمل الاتفاق .فالعالم اجمع قد أقر ووافق وقبل بنص الاتفاق. ما يعنيني هنا هو هذا الدفاع الأميركي الرسمي والذي تصدره البيت الأبيض لتبيان المخاطر التي يمكن أن تلحق بالمصالح الأميركية بالذات والغربية عموما جراء عدم مصادقة الكونغرس على الاتفاق مع إيران.لأنه يعني الذهاب إلى الحرب في المستقبل القريب .


مقاربة إيران مع العراق والعرب
تمكنت إيران لأسباب عديدة لا مجال لشرحها هنا ،لكونها باتت معروفة، من تثبيت نفسها كقوة إقليمية (اقتصادية وعسكرية) يحسب لها حسابها وخاصة بعد الحرب العدوانية الأميركية ضد العراق عام 2003. فكل ما حصل في العراق من تدمير لمقومات الدولة قد جُيَر لصالح إيران أولا والأكراد ثانيا وإسرائيل ثالثا. وكان أكبر الخاسرين، الأمن القومي العربي ووحدة العراق.وقد تم كل ذلك بمشاركة وموافقة عربية رسمية وعن وعي كامل مع سبق الإصرار والترصد. لقد حصلت تقاطعات لم تكن إيران تتوقعها أو تريدها بل ولم تسع إليها ولم تعمل عليها لأن نفوذها وتأثيرها كان محدودا جدا سواء في العراق أو لبنان أو اليمن. لكنها جاءت إليها على طبق من ذهب بفعل الغباء والجهل والمصالح الذاتية الضيقة للعرب وفقدان مفهوم الأمن القومي العربي ناهيك عن القومية العربية. لقد ساهم العرب بتدمير ذاتهم وتخفيض ارتفاع جدارهم العالي الذي كان يحميهم ويخشاه أعداءهم، وبالمقابل فقد تمكنت إيران وبذكاء من تعلية جدارها بحيث بات من الصعوبة بمكان على أعدائها القفز من فوقه والولوج إلى داخلها.

فالعرب سمحوا لكل أعداءهم بل ووافقوا طواعية على المشاركة مجتمعين أو منفردين بالتقليص التدريجي لجدارهم (حيطتهم) بحيث بات( باتت) واطية جدا يستطيع كل شخص أن يقفز عليه (عليها) ليلج إلى عمق الأمن القومي العربي ويعيث فيه تخريبا وتدميرا وتفريقا، لنشر الطائفية والمذهبية بدون أن يعترضه احد، بعكس إيران التي تمكنت من تعلية جدارها وتقويته وتحصينه بحيث بات عصيا على أعدائها إلى حد كبير. فحينما يقف الرئيس الأميركي أوباما في جامعة واشنطن ليجهد نفسه وفكره ويعصر دماغه لتبرير عدم خوض حرب ضد إيران ، بعكس ما حصل عند غزو العراق العربي وبعدها ليبيا والصومال ، فإنما يفعل ذلك لقناعته بان جدارها ليس واطيا كالعرب وان القفز فوقه إلى الداخل الإيراني سيكلف غاليا وقد لا ينجح .ولعل من المفيد أن ننوه هنا إلى أن أول تجاوز أو قفز على الجدار العربي تم بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد سيئة الذكر والتي أخرجت مصر العروبة والتاريخ من الصراع ، ما لبث أن ادخلها حسني مبارك في سبات عميق ،كسبات صبية أهل الكهف ،استمر لنحو ثلاثة عقود متتالية أزيل فيها الجدار كليا من العديد من المواقع بالإضافة لتجميد كل عناصر القوة المادية العربية وأولها النفط، ولم يُكتف بتقليص ارتفاعه فحسب .

وهناك قاعدة ذهبية فحواها " أن من يتمكن من القفز على الحيطة المصرية بإمكانه وبسهولة أن يقفز على كل الأمن القومي العربي بدون خوف أو خشية من النتائج. فكل التجارب وتاريخ الصراع في الشرق الأوسط يقول بان من يتطاول على مصر الكبيرة يمكنه وبسهولة أن يتطاول بل ويستهتر بالعرب أجمعين. فمصر كانت على الدوام الحامي والمدافع عن الأمن القومي العربي والحارس القوي والأمين للوطن العربي ومصالحه .

ومنذ أن استطاع الأعداء إخراج مصر من ساحة الصراع فأنهم بذلك قد هدموا الجدار العالي وبات الوطن العربي مستباحا ومطية للجميع وأولهم إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية .وبغياب مصر ،الذي نأمل أن لا يطول، تقدمت الدول الصغيرة جدا والتي لا يزيد عدد سكانها عن تعداد حي صغير في أي مدينة في مصر،لتقود دول الجامعة العربية ومؤسساتها نحو الهاوية والاستسلام لمخططات الأعداء. لم يكن بإمكان الرئيس الأميركي أوباما او غيره إلا أن يفعل بما قام به بالنسبة لتجنب الحرب مع إيران لأنه يعلم علم اليقين حجم الخسائر والضحايا والدماء التي ستسيل في منطقة الشرق الأوسط وفي تل ابيب بالذات. ولو كان الموضوع يخص العرب لما عدَ هو أو غيره من الرؤساء حتى الثلاثة ليشن حربه القذرة ضدهم كما فعلوا في العراق وليبيا والصومال واليمن وسوريا.

فالرئيس بوش الابن وقبله الأب خاضا عدوانهما ضد العراق والعرب وبتمويل ومشاركة عربية مباشرة. فالأنظمة العربية الغنية كريمة وستقوم بتمويل العدوان كما فعلوا في حرب تدمير العراق عام 1991 ومن ثم احتلاله عام 2003. قديما قالوا "الحيطة الواطية الكل بنط فوقها" ويتجاوزها بسهولة ويسر ،وسنبقى هكذا حتى تسترجع مصر دورها القيادي وتضع حدا لدور الصغار. فمصر تكبر بالعرب ويزداد تأثيرها ونفوذها في كل القارات،والعرب يتشتتون ويتفرقون ويتقاتلون فيما بينهم ويتيهون كما تاه بنو إسرائيل في صحراء سيناء، بدون مصر.

هذا ما تقوله العقود الأربعة الماضية على وجه التحديد وقبلها كثير.الوطن العربي يتطلب أن تكون علاقته طبيعية وواضحة وندية وجيدة مع تركيا غير العثمانية و ممتازة مع إيران فهي تشاطرهم الجانب الأخر من شط العرب والخليج ، فهي ليست إسرائيل الشرق كما يحلو للبعض أن يطلق عليها, لها مصالح, هذا أكيد ومن حقها الدفاع عنها بل ستكون غبية إن لم تفعل. فأمام غياب مصر وعدم قيامها بدورها القومي والتدخل التركي غير المحايد والمنحاز، ضد الأمن القومي العربي (سوريا والعراق) وقبلهما إسرائيل فلا يمكن أن نقول لإيران لا تملئي الفراغ ولا تحافظي على أمنك القومي. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا لماذا يعتبر تدخل تركيا وإسرائيل وأميركا حلالا ومقبولا بينما تدخل إيران وحفاظها على مجالها الحيوي المباشر والذي لا يبعد سوى أمتار قليلة عن حدودها عدوانا وتدخلا سافرا؟؟ ولماذا نعتبر حصول إيران على الأسلحة النووية إخلالا بالتوازن في منطقة الشرق الأوسط بينما لا يعتبر إنتاج وامتلاك إسرائيل لكل الأسلحة النووية اختلالا؟؟ فكل هذا ناتجا عن غياب مصر فحسب. المشكلة محصورة بنا نحن العرب لأن حيطتنا باتت واطية جدا، فمتى نُعليها ونُحصنها ونُقويها هذا هو السؤال الذي يتطلب الإجابة عليه، منا نحن قبل غيرنا .

التعليـــقات