رئيس التحرير: طلعت علوي

تقرير الاقتصاد العالمي

الإثنين | 06/04/2015 - 01:43 مساءاً
تقرير الاقتصاد العالمي

ترك تراجع أسعار النفط أثره على الدولار الأميركي، بعد أن طال تأثيره تحركات الأسواق وتقلباتها في نهاية العام 2014. إذ ارتفع الدولار الأميركي ليحقق قفزة مفاجئة خلال الشهرين الماضيين بعد أن كان قد شهد ارتفاعاً تدريجياً خلال معظم العام الماضي. فقد ارتفع الدولار، الذي ساهمت قوته في تراجع أسعار النفط، بواقع 25٪ أمام ارتفاع اليورو الذي بلغ 1.40 خلال العام 2014. وقد جاء 15٪ من هذا الارتفاع في غضون أسابيع قليلة ليبدأ بالتراجع بشكل طفيف بعد ذلك. وحقق الدولار هذا الارتفاع الذي طال انتظاره بعد أن أعلن البنك الأوروبي المركزي عن برنامجه للتيسير الكمي الذي تم تفعيله في مارس الجاري. وقد كانت أساسيات السوق السياسية والاقتصادية في مصلحة الدولار لفترة من الزمن، إلا أن سياسية برنامج التيسير الكمي للبنك الأوروبي المركزي، التي تعتبر سياسية ضيقة مقارنة بتلك السياسة التي يتبعها مجلس الاحتياط الفدرالي في برنامجه، أدت إلى كبح أي ارتفاع أو انتعاش كان من الممكن أن يشهده الدولار. 


بدأ البنك الأوروبي المركزي أخيراً بتفعيل عمليات الشراء لبرنامج التيسير الكمي خلال مارس، فقد بلغت القيمة الشهرية 60 مليار يورو للأشهر الثمانية عشر القادمة، ليبلغ الإجمالي ما يقارب 1.1 تريليون يورو. ومن المتوقع أن تستفيد منطقة اليورو من تراجع أسعار النفط، كما من المتوقع أن تشهد تسارع في نمو عمليات التصدير ونمو الناتج المحلي الإجمالي، لا سيّما  مع غياب الملف اليوناني عن الساحة في الوقت الحالي والتحسّن النسبي في البيانات مؤخراً. ومن المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1٪ إلى 1.5٪ خلال العام الحالي والعام القادم. بمعنى آخر،  من المتوقع أن يشهد اليورو العديد من الضغوطات، ويشكّل في الوقت نفسه دعماً لأسواق الأسهم الأوروبية،  نتيجة  كل من الاستقرار والتحسّن الطفيف في وتيرة النمو وزيادة السيولة التي يوفرها برنامج التيسير الكمي. كما من المتوقع أيضاً تفادي أي انكماش مستمر في معدل التضخم.


ومن المتوقع أن يضع برنامج التيسير الكمي الأوروبي اقتصاد منطقة اليورو في وضع مماثل للذي شهده اقتصاد أميركا قبل عدة أعوام عندما بدأ برامجه المختلفة للتيسير الكمي. ومن الجدير بالذكر أن اقتصاد أميركا في ذلك الوقت قد واجه تراجعاً أكبر في التوظيف والضغوطات الانكماشية مقارنة بما يواجهه اقتصاد منطقة اليورو في الوقت الحالي الأمر الذي يفسّر سبب عدم تراجع السندات الأميركية للعشر سنوات إلى المستوى المنخفض الذي سجلته السندات الألمانية للعشر سنوات، التي تراجعت بدورها بواقع 25 نقطة أساس. ويعتبر هذا الأخير أحد العوامل التي قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية بصورة تدريجية هذا العام نتيجة بلوغ الفارق بينه وبين السندات الأميركية 200 نقطة أساس لمصلحة الائتمان الأميركي. إضافة إلى ذلك، على الرغم من أن مجلس الاحتياط الفدرالي قد ألغى وضع الانتظار في بيانه الذي أصدره خلال شهر مارس  كما هو متوقع، إلا أنه لا يزال حذراً جداً في سياسته. وقد تم خفض التوقعات بشأن الأوضاع الاقتصادية وأسعار الفائدة لأعضائه الأمر الذي يعكس احتمال قيام المجلس برفع الأسعار لاحقاً خلال العام.  

 
من المتوقع أن يسجل الاقتصاد الدولي نمواً بواقع 3٪ إلى 3.5٪ على أكثر تقدير وبنسبة أعلى بقليل حسب توقعات صندوق النقد الدولي. إذ يقوم المتوقعون حالياً بتعديل توقعاتهم بشأن الاقتصادات الكبيرة دون إحداث تغيير للاقتصاد بشكل عام. فتشير التوقعات أنه من المحتمل أن يلجأ بنك اليابان المركزي إلى تطبيق المزيد من عمليات التيسير الكمي، بالإضافة إلى ارتفاع طفيف في الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو. كما تشير التوقعات أيضاً إلى تسجيل انخفاض طفيف في الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، نتيجة التراجع الأخير في مبيعات التجزئة والتصنيع الذي ازداد نتيجة تراجع نمو الوظائف في فبراير التي بلغت 160 ألف وظيفة جديدة، لتستقر البطالة عند 5.5٪. على الرغم من أن بعض التراجع في الربع الأول يعود إلى برودة الطقس والاحتجاجات في الموانئ إلا أنه يبدو أن الدولار وحذر المستهلكين عوامل قد أثرت على النمو. وقد رأى مجلس الاحتياط أن قوة الدولار أمراً مهماً يتطلب الالتفات إليه ومن المحتمل أن يشكل مصدر قلق للاقتصاد. 

  
وفي ظل الظروف المذكورة أعلاه، من المتوقع أن يبدأ مجلس الاحتياط الفدرالي برفع أسعار الفائدة بصورة تدريجية خلال شهر سبتمبر أو لاحقاً خلال العام. ويوفر مجلس الاحتياط الفدرالي وضع الانتظار نتيجة تراجع التضخم في أميركا، لا سيما في مكون الرواتب، ونتيجة قوة الدولار الذي يزيد من الضغوطات الإنكماشية ويتسبب بتضرر الصادرات والنمو، خاصة في ظل تراجع الأوضاع حول العالم. 


وبجانب تراجع الاقتصاد الأميركي إلى ما يقارب أقل من 2.9٪، تتمثل الخطورة الكبرى، كالعام الماضي، في تراجع الاقتصاد الصيني. فقد قامت حكومة الصين بخفض هدفها بعد طول انتظار وخفض توقعاتها أيضاً لهذا العام إلى 7٪. وتتعهد الحكومة أيضاً باتخاذ إجراءات حازمة فور ظهور أي علامات تدل على التخلّف عن تحقيق الهدف المحدد، الأمر الذي يعكس ضعف الثقة. وقد بلغ معدل التضخم 1.5٪، أي نصف الهدف الذي يبلغ 3.0٪ الذي تم تخفيضه. وقد تراجعت التوقعات بشأن ارتفاع الرينمنبي خلال العامين الماضيين، لتكمن الخطورة في تراجع الرينمنبي نسبياً على المدى القريب وذلك على أقل تقدير.  


وفي الأخير، بينما تسبب تراجع الأسعار في إثارة بعض المخاوف في أهم الدول المصدرة من مجلس التعاون الخليجي، إلا أننا نرى أن أثر هذا التراجع على الاقتصادات سيكون محدوداً نسبياً خلال العامين إلى الثلاثة أعوام القادمة ليبقى نطاق النمو للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي بين 5٪ إلى 6٪. وتشير بيانات ماركت الأخيرة لمؤشر مديري المشتريات للسعودية والإمارات قوة وثبات نمو قطاعاتها غير النفطية. فقد بلغ المؤشر الإجمالي لمارس للسعودية 60.1 و56.3 للإمارات.  ولا تزال هناك حاجة ملحة في تلك الدول لتطوير بنيتها التحتية، لا سيما مع قدرتها على تمويل تلك العمليات، إذ تتمتع جميعها بمستويات عالية من الاحتياطات ومستويات منخفضة من الدين.

التعليـــقات