رئيس التحرير: طلعت علوي

أزمة ماليّة حادّة تعصف بجامعات غزّة

الأحد | 04/01/2015 - 08:46 صباحاً
أزمة ماليّة حادّة تعصف بجامعات غزّة

اسماء الغول 


 لا يستطيع الطالب محمّد تيسير (19عاماً) توفير الرّسوم المقرّرة في قسم الإعلام بجامعة الأقصى، ولكن الالتحاق بهذا القسم لطالما كان حلمه، فهو يحبّ التّصوير ويحلم بأن يصبح صحافيّاً معروفاً.

 

لقد ضغط محمّد على والده الذي وفّر بصعوبة مبلغ 250 دولاراً للفصل الدراسيّ الأوّل. وفي هذا الإطار، قال محمّد لـ"المونيتور": "اعتقدت أنّ الأمر يقتصر على دفع الرّسوم، لكنّي وجدت نفسي مطالباً بتكلفة مواصلات يوميّة من جنوب القطاع إلى مدينة غزّة، وجهاز كمبيوتر محمول لكتابة المقالات، وكاميرا للتّصوير، فلا أدري ماذا أفعل؟".

إنّ حيرة الطالب محمّد لا تقلّ عن حيرة إدارة الجامعات الفلسطينيّة في قطاع غزّة، فهي تمرّ في أزمة ماليّة خانقة منذ حوالى الخمسة أعوام، وازدادات حدّتها بعد الحرب الأخيرة على القطاع.

وعن هذه الأزمة، قال نائب رئيس الجامعة الإسلاميّة للشؤون الخارجيّة الدّكتور يحيى السراج: "منذ بداية عام 2014 وجميع موظّفي الجامعة، وعددهم ألف وأربعون موظفاً، يتلقّون 70 في المئة من رواتبهم. وإذا استمرّت الأزمة الحاليّة فربّما يتلقّون نصفها، إضافة إلى أنّ المنح الجامعيّة تكلّف الجامعة مليوني ونصف دينار أردنيّ سنويّاً وقمنا بخفض ما نسبته 30 في المئة منها".

وأكّد السراج لـ"المونيتور" أنّ العجز الماليّ يصل سنويّاً في الجامعة إلى حوالى عشرة مليون دولار"، مشيراً إلى أنّ ازدياد الحصار والحرب جعل المنح المقدّمة إلى الجامعة من الدول المحيطة تنخفض في شكل كبير، إضافة إلى أنّ إلتزامات السلطة الفلسطينيّة الماليّة في الضفّة تجاه الجامعة لم يستوف دفعها إلى الجامعة.

وكان اللّقاء مع السراج تمّ في الجزء المتبقّي من المبنى الإداريّ الّذي قصفه الإحتلال الإسرائيليّ خلال الحرب الأخيرة، وقال: "لم نقم بإصلاح المبنى حتّى الآن بسبب هذه الأزمة الخانقة".

أضاف: إنّ تكلفة التّعليم ومستوى المعيشة مرتفعان جدّاً، مقابل دخل المواطن الّذي يتناقص بسبب البطالة والحصار والحروب.

وتابع: "من هنا، لم تقم الجامعة بتحميل الطالب تكاليف هذا الارتفاع. وفي الوقت ذاته، لا تريد حرمانه من التّعليم، الأمر الذي تحمّلته الجامعة، ممّا أثّر على تطويرها وتطوير المختبرات والبنية التحتيّة. ورغم ذلك، تحرص الجامعة على تقليل أثر ذلك على جودة التّعليم".

ولا ينكر الدّكتور السراج أنّه تمّ إنهاء خدمات 22 موظّفاً من ذوي العقود التجريبيّة، في محاولة لتقليل نفقات الجامعة، فزادوا من الأعباء على مدرّسين آخرين من المثبّتين على عقود دائمة.

ومن جهته، أشار لـ"المونيتور" الدّكتور حسن قنوع الذي درّس 550 خريجاً من الجامعة في قسم هندسة الكمبيوتر، وهو كان أحد هؤلاء الموظّفين الذين تمّ إنهاء عقودهم، إلى أنّه لم يأخذ الأمر على محمل شخصيّ حين تمّ إنهاء تعاقده، بل هو أمر قانونيّ.

واستدرك قائلاً: "إنّ إنهاء أيّ عقد يعني إيقاع الضرر، ولكن في النهاية وجدت عملاً في جامعة أخرى".

وكان مجلسا الطلاّب والطالبات في الجامعة الإسلاميّة قد اتّفقا على الإحتجاج للمرّة الأولى منذ سبعة أعوام، خلال سبتمبر من عام 2013، وذلك على قرار إدارة الجامعة إلغاء الحدّ الأدنى من الرّسوم، وسرعان ما تراجعت عن القرار.

وفي الوقت ذاته، أغلق مجلس طلاّب جامعة بيرزيت في الضفّة الغربيّة أبواب جامعتهم لمدّة أسبوعين، بعد رفع إدارة الجامعة للرّسوم الجامعيّة في حجّة عجز موازنتها، وانتهت الأزمة بمشادات حادّة وفصل بعض الطلاّب.

وكانت ميزانيّة الحكومة في رام الله لعام 2013 قد خصّص منها 54 في المئة لرواتب الشرطة وموظّفي الحكومة، وما يقارب المليار دولار (26 في المئة من الميزانيّة) للإنفاق على الأمن، في حين بلغت حصّة الإنفاق على التّعليم 16 في المئة من الميزانيّة فقط.

من جهتها، رأت رئيسة مجلس الطالبات في الجامعة الإسلاميّة الطالبة آية حسونة أنّ قرار الجامعة خفض المنح والإعفاءات الدراسيّة إلى 70 في المئة كان صعباً على الجميع، خصوصاً بعد الحرب وتدهور أحوال الطلاّب الإقتصاديّة، وقالت: "لكن بعد نقاش مع إدارة الجامعة، وجدنا أنّه خيار أفضل من رفع الرّسوم على جميع الطلاّب".

وقد علم "المونيتور" من مصدر في إدارة الجامعة، فضّل عدم ذكر اسمه، أنّ المنح غير الرسميّة المقدّمة من السعوديّة والإمارات إلى الجامعة، والّتي تصل إلى ملايين الدولارات ودعم بعض المؤسّسات الحكوميّة الأميركيّة، توقّفت خلال الأعوام الأخيرة في شكل شبه نهائيّ، خصوصاً بعد عام 2013، نتيجة التّصنيف السياسيّ للجامعة بأنّها محسوبة على حركة "حماس" والإخوان المسلمين.

وفي هذا السّياق، قال الدّكتور السراج: "إنّ الجامعة تفتخر بأنّها غير محسوبة على أيّ تيّار. وكإدارة، نؤكّد أنّها لا تتلقّى أيّ أوامر من تيّار سياسيّ وتحرص على ذلك، مهما دأب الناس إلى ترديد ذلك التصنيف".

وأشار إلى أنّهم لم يتلقوا أيّ دعم مباشر من "حماس" في يوم من الأيّام، وقال: "حتّى بعض المساعدات التي أعلن عنها يوماً اسماعيل هنيّة حين كان رئيساً لحكومة غزّة، لم تدفع إلى الجامعة حتّى الآن".

في جامعة الأزهر، وصل الحدّ بالأزمة الماليّة إلى أنّ رواتب الموظّفين أصبحت تدفع من مكافأة نهاية خدمتهم، وقال نائب رئيس الجامعة للشؤون الماليّة الدّكتور علي النّجار: "نتقاضى الآن رواتبنا من مكافأة نهاية الخدمة كي نسد العجز، وكان الرّئيس الراحل أبو عمار يقول هذه المكافأة خطّ أحمر، لكنّنا الآن تجاوزنا الخطّ الأحمر، فعلينا ديون للعاملين خلال السنوات الخمس الأخيرة وصلت إلى 25 مليون دولار".

وأشار إلى أنّ الإعفاءات والمنح المقدّمة إلى الطلاّب تكلّف الجامعة سنويّاً ما قيمته مليونا دينار أردنيّ، مراعاة لظروف القطاع الذي يمرّ في أصعب ضائقة ماليّة على الإطلاق، وقال: "إنّ الجامعة كذلك تمرّ في أصعب ضائقة ماليّة، فالمساعدات توقّفت من السلطة الفلسطينيّة في رام الله منذ ديسمبر 2009، لقد كانت الجامعة تستلم كلّ شهر ما قيمته 450 ألف دولار، والآن توقّفت تماماً".

وأوضح أنّ الرّئيس محمود عبّاس قال منذ حوالى أربعة أعوام أنّ هناك نصف مليون دينار أردنيّ لجامعة الأزهر، وتمّت مراجعته خمس مرّات في الأمر كي يتمّ تحويلها. وفي كلّ مرة يقول إنّه أعطى أمراً بصرفها لرئيس الوزراء السابق سلام فيّاض. والآن، تمّ تحويل الأمر إلى رئيس الوزراء الدّكتور رامي الحمدلله، ولكن إلى الآن لم يتمّ صرفها.

وذكر أنّ الكارثة ستظهر أكثر بين عامي 2018 و2020 حين يصل إلى المعاش 60 موظفاً في الجامعة، ولا يجد أيّ منهم مكافأة نهاية الخدمة، مؤكّداً أنّ الحلّ لأزمة الجامعات الفلسطينيّة بإعادة المنح الحكوميّة الّتي تصل إلى خمسة مليون دولار سنويّاً لكلّ جامعة.

وختم كلامه بالقول: "هناك طلبات من بعض الأساتذة لتأمين كراس لمكاتبهم وأجهزة كمبيوتر، أوقّع عليها بعبارة: إلى حين توافر المال والسيولة".

ويخلو تصنيف QS العالميّ لأفضل خمسين جامعة عربيّة، هذا العام، من الجامعات الفلسطينيّة، إذ عادة ما كان يتضمّن جامعات بيرزيت والإسلاميّة والنّجاح.

 

التعليـــقات