رئيس التحرير: طلعت علوي

القدس الشريف بين مطرقة الاحتلال وسنديان ضِعاف النفوس

الخميس | 11/10/2018 - 10:05 صباحاً
القدس الشريف بين مطرقة الاحتلال وسنديان ضِعاف النفوس

القاضي فواز ابراهيم نزار عطية

استهل حديثي هذا حول ما يدور اليوم في سماء القدس بخصوص مسلسل تسريب عقاراتها في ظل وضع لا يكل ولا يمل منه المحتل في الاستمرار بتهويد مدينتنا بشتى السبل، فتسريب العقارات على يد بعض ممن يدعون انهم من ابنائها من ضعاف النفوس، يذكرني بما قاله ابو ذر رضي الله عنه لمعاوية بن ابي سفيان حين رآه يبني قصرا باذخا:

“يا معاوية إن كان هذا من مالك فهو الاسراف، وإن كان من مال الأمة فهي الخيانة”. وبما أنه لا فرق بين خيانة الضمير وخيانة الواقع إلا في أداة التنفيذ، فإنني لست في مقام التقييم أو توجيه الاتهام لأحد، إنما هدفي هو إنارة طريق الظلام قبل فوات الاوان لمن سرب او يحاول تسريب عقار في القدس من ضعاف النفوس مقابل بيع الضمير بثمن بخس.

فلو رجعنا للأقوال المأثورة وطبقناها على ارض الواقع، لوجدنا أن في الحب يخلص الزوجان، وفي زرع شيم التقوى في النفوس والسير على درب الصدق تصبح الأمانة نيشان على الصدور، والخيانة ابعد مسافةَ من المسافة ما بين المشرق والمغرب. والمتتبع لحال اهل القدس اليوم لوجدهم يعيشون في زمن اسود، لا دعم حقيقي ولا كلمة طيبة، ويُطلب منهم الرباط والتصدي والثبات، فيما يلتقط خيرات البلاد والعباد حفنة ممن يتسلق على ظهور اهلها، ويشحد على اسمهم تحت مسمى دكاكين ال N.G.O ولا يصل للقدس واهلها، إلا الفتات الفتات بمنةٍ وأذى.

وورغم حديث الساعة عن عدد المرات التي هُزم فيها اهل القدس دون قتال بسبب الخيانة، حتى وصل الحال بالبعض بنعي القدس بصورة متشائمة، فإنه ما من شك أن الهزيمة تكررت مرارا، وبما أن الخيانة أكبر خطر من الاحتلال، ولا يختلف عليه اثنان عاقلان، فإن الاحتلال إلى زوال مهما حاول وحاول هذا العدوان البغيض من التغيير، لأن الحق اقوى بكثير، وهذا سلاح اهل القدس الفعّال، كونه سيفا ساطعا وسدا منيعا واقوى بكثير مادام التواصي به من الثوابت.

إن نظرة التفاؤل يجب ألا تغيب عن انظارنا، فلو تمسكنا بالشؤم واستمر الاحساس به لكان حالنا اصعب بكثير من عام 1229ميلادي، حيث فرط الملك الكامل من الايوبيين بالقدس واكنافها بموجب معاهدة “يافا”، وتم تتويج الامبراطور فريديرك في شهر آذار من عام 1229 ميلادي في كنيسة القيامة بالقدس الشريف كملك محرر للفرنجة، إذ بتلك المعاهدة التي فرط بموجبها الملك الكامل بالقدس، اعطى الفرنجة ما لم ينالوه بحروبهم الخمسة ضد القدس واهلها.

كما ويجب ألا يغيب عن انظارنا كذلك عدد المؤامرات التي حيكت على القدس واهلها عبر العصور وما زالت، ورغم حجم تلك المؤامرات، فإن صمود اهلها عبر مختلف الازمان حقق وجودا عربيا اسلاميا حتى يومنا هذا، مرابطين ثابتين في ثغورها، فتغيرت الحكومات والممالك والدول وعاصر اجدادنا وآباؤنا تلك الحقب من الدول المختلفة- وهذا هو عين التفاؤل- وشاء العلي القدير أن يستمر نسل أجدادنا حتى اليوم بالتكاثر والزيادة في الاجيال، ببركة دعاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

وها نحن جميعا من نسل الاجداد. لذلك ضعاف النفوس يجب ألا يكون لهم شأن ووزن في بيئتنا، دون التقليل من الحدث في التسريب، لكن عصر ضعاف النفوس لن يتوقف، وإلا كيف سنميز الخبيث من الطيب، بل سيستمر وقد يزيد، الأمر الذي يستدعي تدخل اولي الامر في القدس واكنافها، لتطبيق قواعد وشروط تثبيت اهل القدس بتقديم الدعم الحقيقي لهم ماديا ومعنويا على حد سواء، امام مغريات المال والملذات والحياة الرغيدة التي تدور في فلك القدس، لأن من يُقدم على التنازل عن ابرة قش في القدس، يهون عليه أن يتنازل عن عقار.

وكما سبق وأن اشرت في مقدمة حديثي، فإنني لست بصدد اتهام احد او لوم أي جهة، لكن لابد من وقف نزيف التسريب واخذ الدروس والعبر من الماضي والبناء للمستقبل، وعلى أولي الأمر فيما إذا صدقوا على ما عاهدوا عليه، وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وتفعيل المحاسبة الشفافة النزيهة.

وحتى يتم ذلك لابد من دراسة اسباب التسريب بتشخيص المرض النفسي الفتاك، والذي سبق وأن سميناه بالخيانة، كما ولا بد من ايجاد الحلول لهذا المرض لمنع انتشاره، ولا بد كذلك من تثقيف المجتمع وإزالة مفهوم ” وجهة نظر” وكشف حقيقة استخدمها من المحتل، بأن البيع هو عبارة عن تجارة وتربح بناء على العرض والطلب، والتثقيف يقع على مسؤولية وزارة التربية والتعليم، وإلا ما الفائدة من تدريس مادة التربية الوطنية في المدارس في ظل العولمة والاقتصاد والفكر الحريين، ولابد من عقاب رادع لمن تسول له نفسه حتى لا يسيئ الادب، وكي لا يستهتر بمقدرات الامة، وليكون عبرة للآخرين ليتحقق الردع العام، ولابد من اصدار قرار بقانون ليطبق قانون العقوبات بصيغة واضحة الدلالة والمفهوم بعيدا عن تفسيرات اتفاق اوسلو، بأن اهل القدس داخل منظومة القضاء الفلسطيني وينطبق عليهم النظام الساري على ابني الضفة الغربية وقطاع غزة.

أما بالنسبة لمن يقع ضحية التشويه والافتراء والمس بسمعته كما تم خلال الايام الماضية وما ورد على ألسنة البعض على صفحات التواصل الاجتماعي من كيل الاتهامات لأطراف عديدة دون التثبت والتحقق وانتظار نتائج التحقيق، ومهما كان اسم وصفة الضحية، أقول له من باب الأمانة العلمية، بأن حقه مكفول بالقانون، وما عليه إلا ان يطرق باب القضاء، لينال كل مشاء بنميم و كل هماز معتد اثيم جزاؤه.

واخيرا اقول يا من تعبت في الخير فإن التعب يزول والخير باقي، ويا من تلذذت بالآثام والمعاصي فإن اللذة في زوال وتبقى آثار الآثامِ.

 

©مدار نيوز

التعليـــقات